لم نكن، ونحن في أزمنة الطفولة السعيدة، قد عرفنا بعد ما هو الكومبيوتر أو «الحاسوب» لكيلا يعتب علينا محبّو اللغة العربية، ولم نكن قد دخلنا بعد في «الشابكة» العنكبوتية أو الأخطبوطية أو «أمْ أربعة وأربعين» متاهة ودهليزاً، وبرغم «وحولة» طريق المدرسة في الشتاء، وأشواك «الدرّيس» التي تعْلَق بأرجلنا وثيابنا في الصيف وتتركنا نتألّم الليلَ كلّه… كنا سعداء بما نعيشه من قناعة مطلقة بأنه ألعابُ طفولةٍ لا تشيخ ولا تيبس مادام هناك من يروي لنا الحكايا ويقلّد لنا أصوات الحيوانات، ويسهر على أحلام نومنا، كما لو أننا جزءٌ منها، وستغدو حقيقةً مع خيوط الشمس الأولى.
طفولةٌ نمتْ ودرّبتْ ذائقتها وأشبعتْ نظرها ولطّفت من عشوائيتها وشيطناتها وهي تشاهد برامج كرتون تلفزيونية منسوجة من نصوصٍ وكتب عالمية اشتغلها أدباء عالميون كبار بإخلاصٍ وحرصٍ شديدين لمعنى أن تكون طفلاً حتى وأنت في السبعين، أعمال مثل: البؤساء لـفيكتور هيجو، أوليفر تويست لـتشارلز ديكنز، جزيرة الكنز لـستفنسون، هايدي، وعدنان ولينا… وكلّها مصحوبة بموسيقا جعلت عقولنا تُزهر، وأرواحنا تحتضن فرحاً يُنزل دمعة كلمّا أعدنا ترنيمها في بالنا.
لست طبعاً مع مَنْ يمجّدون الماضي ويلعنون الحاضر، فلكلِّ زمان عيوبُه ومحاسنُه، لكن حين نصطدم اليوم بألعاب الأطفال الكومبيوترية المكتسحة لعقولهم وأوقاتهم وأرواحهم كـ«حرب النجوم»
و«pirate kings» و«الببجي» و«دمية الموت» وحين ألحظ كيف يتابعون بنهمٍ شديد المسلسلات المدبلجة ومشاهد صراع «العكيد» مع رجال حارة «أبو النار»، وكيف يتحولون أمام أعين أهلهم إلى أشباح طفولةٍ غير بريئة وقنابل موقوتة مشحونة بالعنف والرعونة في التعامل مع معلّميهم ومعلماتهم في المدارس… يعتصرُ قلبي حنينٌ جارفٌ إلى أوّل قطعة قماشٍ خاطتها لي جدتي «أمّون» على شكل دمية ووضعتها في حضني وأنا أغفو على رائحة الحطب المعشش في ثيابها.

طباعة

عدد القراءات: 6