تعريف الإرهابي، ما قبل أحداث أيلول، ليس كما بعدها في العقل الغربي المسيّس فطرياً للتخاطر الوجداني، حسبما تنتجه الدراسات الاستخباراتية الصهيو-أمريكية.
فالإرهابي سابقاً، كان لفظة يعود شرح مفهومها للفلسطيني الذي يقاوم المحتل الإسرائيلي ويرميه بحجر.. المحتل المدجج بالسلاح الذي يغتصب أرضه، وينسف منزله، ويستوطن مدينته.. ثم ما بين لحظة و(خبر تفجير) كانت الولادة المخطط لها، وانبثاق «داعش» من «رحم» استخباراتي أمريكي خالص، هُيِّئ له ليأتي –في اللحظة المناسبة- خدمةً لمشاريعهم التوسّعية والحربية والاقتصادية، ليصير مفهوماً بديلاً لتعريف الإرهابي، ويكون مشروع (الجزرة) الذي يحرّك سياسة واشنطن المعلنة والمبطنة (الحرب على الإرهاب)، ومن خلاله تنتهج الولايات المتحدة الأمريكية حرباً ضالّةً مشبوهة المعالم، لا أبعاد لها ولا أهداف تحدّدها إلّا المصلحة (الأمريكية الفضلى).
الإرهاب في العصر الحديث، وتحديداً في منطقتنا العربية، كان نتاجاً بحتاً للماكينة الإسرائيلية بكلّ مفرزاتها، من مجازر ارتُكبت بحقّ الشعب الفلسطيني وقتله وتدمير ممتلكاته، بينما كان الوجه المقابل له سلوكيات واشنطن الإجرامية في أفغانستان والعراق.
أي إن الإرهاب -من منظور عملي- كان صناعةً إسرائيلية المنشأ، أمريكية التمويل والسياسة والتخطيط (وهما وجهان لإجرام واحد).
واليوم، يتمادى الكيان الصهيوني باعتداءاته على الأراضي العربية والمغالاة في توسّعاته الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية، وتهويد مدنها وتهجير أهلها… واستمرارية خروقاته ماكانت لتتم لولا الدعم الأمريكي والغربي، وسياسات بعض الدول العربية التي انتهجت، إما سياسة غضّ الطرف، وإما التورّط في الوقوف المعلن والصريح إلى جانب العدو، وعدّ تجاوزاته اللامشروعة وخروقاته «دفاعاً مشروعاً عن النفس».
«إسرائيل»، الكيان المغروس زوراً في قلب الوطن العربي، لم تهتم منذ إعلانها الغاصب احتلال فلسطين إلا بتحقيق شهواتها الاستيطانية واقتراف الخطايا، حتى باتت تتأرجح ما بين لذّة اجتراح الإثم وعذاب الندم عليه، وخاصة أن المشهد الإقليمي مغاير جذرياً لما كانت تحشد له «إسرائيل» وأمريكا، والرؤية باتت واضحة «الألم» في وعي صنّاع القرار الإسرائيلي، وصار لزاماً عليهم تقزيم طموحاتهم الاستعمارية بعد الشلل الإقليمي الذي أصابهم من جرّاء الردّ العظيم الذي أنجزته المقاومة للحدّ من التمادي في السلوك العدواني الإسرائيلي، إذ أجبرت المشهد العام والزمان والمكان على تكريس قواعد الاشتباك بتهديد العمق الاستراتيجي (استطلاع- إطلاق- عودة)، وإحداث خرق أمني واستخباراتي في صفوف العدو الذي لم يستطع، أمام مباشرة العملية وتقنيّاتها، وعلى الرغم من استنفار خمسة من ألويته العسكرية وثلثي قوات سلاحيه الجوي والبحري، تفادي صفعة المقاومة باختراق عمق الأراضي المحتلة وإصابة ثكناته ومستوطناته بأهداف متاحة السمت، كلل إنجازها إخفاء الكيان الصهيوني الحقائق بغية التحضير لمناخ انتخابي وتوظيفه لمصلحته، لكنها أثمرت إخفاقاً سياسياً إضافياً له؛ على المستويين الردعي والنفسي.
الكيان الصهيوني المحتل، وهو الإرهابي الأول، بات لزاماً عليه التفكير ملياً قبل اجتراح أي إثم يمكن أن يضعه «قاب قوسين ونصل» يقضّ مضجع مستوطناته، ويشلّ حركة أطرافه الدخيلة على جسد سيلفظه بإرادة شعبه الفلسطيني والمؤمنين بحق المقاومة.

m.albairak@gmail.com

طباعة
عدد القراءات: 82