فيما يُشبه «أزمة ضمير» تلك التي أصابت الأديب الكيني- الإفريقي، نغوجي واثيونغو، وعلى الأغلب عُرف بـ «جيمس نغوجي» وجعلته يُعلن أو يُعبّر عن وقوعه في «الإثم» عندما ألّف عشرات الأعمال الإبداعية من نصوص قصصية وروائية ومسرحية باللغة الإنكليزية، أي بغير لغته الإفريقية، وهو الذي عمل طويلاً رئيساً لقسم الأدب في نيروبي عاصمة بلاده، فكان أن أهدى كتبه امتناناً لكل الذين يكتبون بلغاتهم الإفريقية، فقد عدّ أن الكتابة باللغة الوطنية هي تعبير عن التشبث بالكرامة.‏
أسوق مثال الأديب الإفريقي نغوجي واثيونغو الذي طالما أكدّ أنّ «استعمار العقل» يبدأ من اللغة، لأن الخلل اللغوي الثقافي، أول ما يبدأ باستعمال لغات المستعمر، إذ تأتي «اللغة» أداة أشد نفاذاّ وتأثيراً.‏. وفي الحالة السورية، أول ما كان ينشب الغزو براثنه في جسد بلاد الشام يبدأ باللغة التي كانت أشبه بدوريات استطلاع و(ترويض)لإلحاق المنطقة بالاستعمار، ولنتذكر المحاولات المسعورة «لأحدث» استعمارين: تركيا وفرنسا، وسياسات «التتريك والفرنسة» التي استعملتها الدولتان الاستعماريتان، إذ أول ما فعلته الدولة العثمانية بعد خطف لواء اسكندرون، هو تغيير اسمه السوري القديم لاسم تركي بغيض، وحرمان سوريي اللواء من التحدث والتعليم بلغتهم الأم، وتمهيداً لاغتصاب الجزء الجنوبي من بلاد الشام، وأقصد منطقة كنعان الآرامية، تمّ العمل في البداية على طمس هذا الاسم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فكان اسم «فلسطين» وقد نجحت كل دوائر الاستخبارات والاستشراف الأجنبية في تعويم هذا الاسم، ومن ثم كان الالتباس، لأنهم نجحوا في إقناع العالم بأن الفلسطينيين «هم شعوب ما وراء البحر الذين استوطنوا سواحل بلاد الشام الجنوبية، ولا يُعرف لهم أصل أو فصل» ومن ثم نجحوا في طيّ اسم كنعان من الموسوعات وكتب التاريخ، تمهيداً لإطلاق «إسرائيل»، حتى «داعش» وشقيقاتها، لجأت إلى أساليب الاستعمار القديمة ذاتها، من حيث سرقة أسماء المناطق وتخبئتها، ومن ثمّ إطلاق أسماء ومصطلحات جديدة على الأماكن التي اغتصبتها، وأنشأت لغةً وخطاباً جديدين للسكان فيها.‏. في المحنة السورية، استُخدمت «اللغة» أحد الأسلحة الفتاكة، عندما أفعمت بمختلف أنواع الميثولوجيا الدينية، ومن ثم كانت أقرب إلى «العلف الميثولوجي» لتعبئة الرؤوس الحاقدة، وجعلها تسير كالقطيع إلى الحرب، لم تستخدم اللغات الأجنبية فحسب، وإنما استخدمت «العربية» نفسها في أحيان كثيرة.‏

طباعة

عدد القراءات: 149