لا مساحة في المرآة إلا لصورتي.. الصورة الوحيدة اللامعة.. وما سأراه أنا ستراه أنت..! هكذا بدأت الأنانية تحتل مساحات واسعة في أماكن متعددة، وصار الفشل والنجاح معركة يومية وصراعاً لا هوادة فيه، يخوضه كل فرد مع المجتمع، وكأن خلف الابتسامات والقصص الطريفة ينمو ظل لحالة انعدام الثقة والخوف من الآخر.. ويسود جو من البحث عن الأخطاء والهفوات ليس بقصد الإصلاح والتوجيه، وإنما بدرجة أكبر بهدف تسجيل النقاط والإمعان في التشكيك بقدرة الآخر.
إن من يملك حواسّ سليمة سيشعر بهذا الخطر الكبير المحدق بالمجتمع.. إنه شيء ما صغير ينخر القلوب، ويشبه السوس تلك الحشرة الصغيرة التي يمكن لطفل أن يسحقها بأصابعه الصغيرة، لكنها عندما تتكاثر تكون قادرة على القضاء على الشجرة الكبيرة.. إنه مرض الأنانية والتطلّع نحو المصالح الشخصية وضرب عرض الحائط بمصير الآخرين.
لقد برهنت الحياة منذ وجودها أن القوة بالتآلف والتعاون، وأن إرادة الحب والمودة بين الناس هي الحقيقة الوحيدة القيمة.. وهذه الكرة الأرضية تتسع للجميع.. لأفكارهم وعواطفهم وأحلامهم وأمانيهم.. لكن العبقرية أن تؤمن بأن ما هو حق في نظرك وفي أعماق قلبك هو حق بالنسبة إلى جميع الناس..
ربما نحتاج وقتاً للتأمل والإصغاء إلى الضمير بدلاً من الجلوس مع الهواتف المحمولة واللهاث وراء الماديات التي قد تشتري لك كل شيء، لكنها تجعلك عبداً لها.
يقول الكاتب «هنري دافيد تورو» في روايته حياة في الغابات:
«مضيت إلى الأحراش لأني كنت أريد أن أحيا دونما تسرع، وأن أواجه فقط الوقائع الجوهرية في الحياة، وأن أرى إن كان بوسعي أن أتعلم ما لديها مما يجب أن تعلمني اياه كي لا أكتشف لحظة موتي أنني أنفقت العمر باطلاً.. كنت أريد أن أحيا بكثافة، وأن أتذوق لبّ الحياة، أن أحيا بشجاعة وتقشف كي ألغي كل ما ليس في الحياة، وأن أحيل الحياة إلى أدنى مقتضياتها بل إلى شروطها الدنيا».
ما أحوجنا إلى البحث عن الحقيقة في عزلة الغابة للخلاص من مأساة الألف عقدة التي تقيد أفكارنا.

طباعة

عدد القراءات: 141