استهل الباحث محمد راتب الحلاق محاضرته التي قدّمها ضمن نشاط المكتب الفرعي لاتحاد العرب بحمص بعنوان ( عبد الرحمن الكواكبي وقضايا عصر النهضة) بالقول إنه سيقدّم ما يدّعي أنه الصورة الحقيقية للمفكر الكواكبي، وليس (البروفيل) الانتقائي المتداول، وإن الصورة الحقيقية لن تضير الرجل في شيء، طالما أنه بشرٌ يخطئ ويصيب، وليس إلهاً، ولا صنماً يطوف به الطائفون من الباحثين، يهتدي بعضهم بآثار بعض.

فتوقف المحاضر أولاً مع أفكار الكواكبي المتعلقة بمحاربة الاستبداد، وبمحاولة الخروج من (حالة الفتور) والتخلف التي يعاني منها العرب والمسلمون، فرأى أن الكواكبي إذا كان يميل في كتابه (أم القرى) إلى الإصلاح الديني كمقدمة هامة ( وكافية) للإصلاح السياسي ولتجاوز التخلف، فإنه في كتابه الثاني (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) يميل ميلاً جارفاً إلى إعطاء الأهمية الكبرى للأسباب السياسية، ويعدُّ الإصلاح السياسي المقدمة الضرورية لأي إصلاح آخر.

ثم يفصل المحاضر في مآخذ الكواكبي على الحكّام، ثم أشار إلى تمييز الكواكبي الاستبداد الشرقي من الاستبداد الغربي، وإلى أن قارىء الكواكبي يكتشف اطلاعه على الفكر السياسي الغربي وتأثره به تأثراً كبيراً، ودون أن يتهم الكواكبي بأن الكواكبي سطا على كتاب الإيطالي (الفيري) كما ذهبت المستشرقة (سيلفيا حاييم) بل هو مطلع عليه وأزعم أنه قد أعاد إنتاجه بعد قراءة عربية إسلامية واعيةً وذكية، ووظفه في النضال الفكري ضد الاستبداد توظيفاً يدل على التمكن والاقتدار.

ثم تناول المحاضر مسألة هامة جداً وهي ما بالغ به بعض الدارسين في قراءة قول الكواكبي “الدينُ غيرُ المُلك” قراءة أيديولوجية لا يتحملها فكره، إذ قرؤوها دعوة لفصل الدين على الدولة، في حين أن ما أراده من تلك الجملة هو تفنيد زعم السلاطين العثمانيين بأنهم حماة الإسلام، وأن يكشف الأهداف الحقيقية لما يتظاهرون به من احترام الشريعة الإسلامية، فالكواكبي يقول ” إن ذلك ظواهر محضةٍ، وليس من غرضهم، بل ولا من شأنهم، أن يقدموا الاهتمام بالدين على مصلحة الملك، وهذا مرادي بأن الدين غير الملك”.

وعن المسألة الهامة الأخرى المتعلقة بها يقول المحاضر: أراد أن يبين تهافتَ زعمِ من يقول إن الدولة العثمانية كانت دولة دينية إسلامية… إنها برأيه دولة جندية أي دولة عسكرية تقوم على الحروب، وقد عدد كثيراً من تصرفات السلاطين العثمانيين التي تتناقض مع الدين الإسلامي، وبعضها يؤكد زيف ادّعاء السلاطين العثمانيين بحماية المسلمين. لكن ما وضعه الكواكبي  ـ والإشارة للمحاضر – على لسان ( النجدي) في كتاب ( أم القرى) خطير جداً، فهو يذهب إلى حد تأييد الفكر الأصولي المتزمت، بل يصل إلى حد تكفير المسلمين خارج الجزيرة العربية، ويعدد (25) سبباً يرى أنها تجعل الدين الإسلامي كما فهمه أهل الجزيرة العربية ويعني بهم الوهابيون، هو الدين الصحيح، الخالي من البدع والفتن؟! أمّا المسألة الفكرية الثالثة التي توقف عندها المحاضر في فكر الكواكبي هي رأيه بالمرأة التي يراها من جملة المستبدين الذين يجب التحرر منهم، فهي المتحكمة الحقيقية في الرجل، وفق ما ذهب إليه! ويشير المحاضر إلى أنه في حين كان مفكرو مرحلة ما يسمى بعصر النهضة العربية يدعون إلى تعليم البنات، فإن ( الكواكبي) كان ينحو منحىً مختلفاً تماماً “والعلمُ لا يزيد المرأة إلاّ قدرةً على الفجور”.

ويختتم المحاضر ما عرض له بالقول: على الرغم مما عرضنا له من آراء الرجل، وبغض النظر عن الموقف منها، أو من بعضها، وفي الحالات جميعاً يبقى الكواكبي أحد أساطين الفكر العربي الحديث، وواحداً من أشهر الذين ناضلوا في سبيل تحرير العقول والأوطان من الاستبداد والطغيان.

طباعة
عدد القراءات: 111