تنوعت الأساليب والمدارس والتقنيات التي تناول فيها المشاركون مدينة دمشق في معرض الفن التشكيلي القائم في دار الأوبرا والمرافق لمعرض دمشق الدولي، وتنقل الشباب المشاركون بين أسطح دمشق و«حاراتها» العتيقة، كما عرج بعضهم على دمشق في بدايات القرن الماضي، وظهرت المدينة في أعين فنانيها الشباب جميلة تارة وكئيبة تارة أخرى، بينما استعرض آخرون مواهبهم في تفنيد تفاصيلها بطريقة شديدة الواقعية، وفضّل آخرون أن يروها من منظار تعبيري فهي الياسمين والنارنج والبيوت العربية القديمة التي تتوسطها البحرة الشامية، لكن أحداً منهم لم يعرج على ملامح دمشق العامة وشوارعها الحديثة واكتفوا بالتنقل بين حاراتها القديمة.
اللوحات المشاركة التي قاربت الثلاثين لوحة، هي من مقتنيات مديرية الفنون الجميلة التابعة لوزارة الثقافة في أعوام مختلفة تراوحت من التسعينيات حتى عامين منصرمين لأحدثها.
الفنان عدنان الأبرش أعطانا لمحة عامة من علياء دمشق لمنطقة شعبية تناثرت «الصحون اللاقطة» على أسطحها في منظر غير غريب على أعيننا، ولسبب ما فيه حميمية تجعلنا ندور بنظرنا على التفاصيل الكثيرة والعشوائية المشغولة بكثير من العناية والواقعية، بينما اختار الفنان هيثم الكردي أن يراهن على جمالية الألوان الترابية وتدرجاتها في أبراز مفاتن الحارات العتيقة، وركز الفنان سيمون قبوش في لوحته الدمشقية على الظل والنور وجمالية الحارة الدمشقية لحظة ميلان الشمس عن كبد السماء، حيث بدت الشخوص في الظل وكأنها تنبض بالحياة في واقعية مدهشة وغاية في الاحتراف والدقة.
الفنان أحمد ابراهيم اختار جانباً من ريف دمشق بدا فيه البيت الطيني القديم جانباً مهملاً من دمشق، مركّزاً على أهمية الحضور الإنساني في لوحة واقعية اشتغل فيها ابراهيم على التدرجات اللونية بدقة لافتة للنظر، في حين لجأت سوسن الزعبي إلى الكولاج في دمج صور حية وكلمات باللغة الإنكليزية لتخرج منها مجتمعة بمدخل حارة شعبية في أحد شوارع المدينة العتيقة، وجالت ايفان قبوش بعيون سائحة أجنبية على تفاصيل ساحة قريبة من الجامع الأموي، في لوحة واقعية جميلة، كما اختار الفنان راغب حواضري أن يأخذنا في رحلة داخلية إلى أحد بيوت دمشق القديمة حيث التفاصيل الشامية في كل ركن وزاوية تتوسطها البحرة الشامية، وشجرة النارنج، كذلك تنقل بنا منذر شرابة بين جدران حارة دمشقية تكوناتها الأزلية من رمز السلام، حيث رفع «شرابة» اللوحة بالحمام عبر تماهٍ جميل لتدرجات الأخضر شكلت تكوينات الحارة التي تتوسطها أمّ تمسك بيد طفلها في تعبير واضح عن الشعور بالأمان وهي تسير ليلاً في الحارة القديمة.
نذير بارودي عاد بنا إلى ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، حيث قدم لوحة واقعية لجانب من باب السلام أحد أبواب دمشق السبعة، تخللها تفاصيل واقعية شديدة الدقة للزي المعتمد للنساء والرجال في تلك الأيام، ووسيلة النقل الوحيدة آنذاك «العربة التي تجرها الخيول» وهي تمخر عباب الطرق الحجرية القديمة، مستعيناً بألوان قوية وواضحة، وماراً بكل التفاصيل الممكنة من المصباح الذي ينار باليد، إلى جانب من نهر بردى.
الفنانة هناء العقلة اختارت أن تظهر جانباً إنسانياً في لوحتها بطريقة ذكية ومن دون استخدام شخوص، فركزت على جزء من بناء متهالك لبيتين قديمين يتكئان على بعضهما في شرفة داخلية مشتركة، وكانت ظاهرة «عيرني كتفك» شديدة الانتشار في هذه الحارات آنذاك، فكانت لوحة العقلة مدلولاً ذكياً عن الأصالة والشهامة والكرم وغيرها من الصفات الحميدة التي كان ومازال يتمتع بها أهالي دمشق.
بدوره كلستان حمو اختار أن يقدم لنا جانباً من حارات دمشق لكن في جو شتوي، وبواقعية مفرطة، تشعرك بأن السماء ستمطر في أي لحظة، فقد اشتغل حمو على الظل والنور باحترافية عالية، ودار على التفاصيل بتمهل محب وشغوف، فشاركنا بأبسط الزخارف الخشبية التي تشكل «شبابيك» الحارة، ولم ينس المرور على الحجارة العتيقة الباهتة بسبب الغيوم التي تحجب أشعة الشمس، كذلك تربعت «حنفية» سبيل على زاوية اللوحة، مذكرة بهذه العادة الدمشقية الجميلة، التي تتيح للعموم شرب الماء العذب أينما كانوا وفي أي وقت.
الفنان سامي الكور اختار جانباً مظلماً للمناطق العشوائية في لوحة رسمها عام 2017، وهي الفترة التي بدأت فيها الحرب بالتراجع وسحب مخالبها من الجسد السوري، يبرر الكور سوداويته فيها بأن الجرح يومها كان لايزال ساخناً، لكن النور الذي بدا واضحاً في خلفية اللوحة جاء مبشراً بسلام قادم وانتصار أكيد لأرض لطالما تعانقت فيها مئذنة الجامع مع برج أجراس الكنيسة، هذا التآلف والتعايش القديم قدم التاريخ، لم يشفع للمدينة المسالمة، فجرعها من سمّ الحرب، وتضرجت ريشة الكور بالأحمر والأرجواني والبرتقالي، مشكلة شخوصاً بدت كالأرواح التائهة والممزقة والمتجهة نحو نور الخلاص والعبور، التباين القوي في اللوحة بين الظل والنور، والمزج بين الألوان الباردة والحارة وحتى الفحم في أسلوب تعبيري مبدع، جعل اللوحة تبدو كصرخة في وجه الحرب، قابلها نور سلام ومحبة قادمين لا محالة. يقول الكور عن مشاركته في المعرض: «سورية هي نبض الحياة ورغم كل ما حصل مازالت أرضها ولاّدة بأهم المواهب وألمع الأسماء الفنية، فهي أرض خصبة بالجينات الإبداعية ولا تستطيع أن تقهرها أي ظروف مهما كانت قاسية، نحنا مازلنا في البلد ومازالت ريشتنا في يدنا، وإن كانت الحرب أثّرت إلى حد ما في عملنا، إلا أن الفنان يجب أن يتعايش مع الظروف المحيطة، بل يكون له دور في محاربتها وإيصال رسالته، واليوم تأتي مشاركتنا في صالة دار الأوبرا بتوقيت مصتزامن مع قيام معرض دمشق الدولي، لنثبت للعالم أن سورية كانت ومازالت على قيد الحب والعطاء والإبداع».
اللوحات المشاركة قدمت رسالة واحدة صبّت في قلب معرض دمشق الدولي، وهي إن المحبة والسلام والتآخي والجمال من دمشق.. إلى العالم.

ت: يوسف بدوي

طباعة

عدد القراءات: 127