أولى الصدمات الواقعية التي حققها المخرج «عروة العربي» في عرضه «طمّيمة» عن نص لـ«شادي كيوان»، كانت في نقلنا زمنياً من أوائل أيلول حيث الحرارة تقارب الأربعين درجة، إلى أجواء كانون الثاني وأصوات المطر والرعد، ومدفأة «الشمس» ضمن غرفة مملوءة بالرطوبة والـ«كراتين» على خشبة القباني ديكور محمد كامل، ليواصل خلخلة مزاجنا عبر «سيف.. يزن الخليل» المُرتبك من علاقته مع «ليلى.. مرح حسن» خطيبة صديقه «طارق.. كفاح الخوص» الذي سافر إلى ألمانيا، وما إن يستجمع قوته ويعترف بحبه لها، حتى يُفاجأ بمجيء صديقه «حسام.. كرم الشعراني»، فما كان منه حفاظاً على سريّة علاقته بـ«ليلى» إلا أن خبَّأها في الخزانة لعلّه ينجح في جعل «حسام» يغادر بسرعة، لكن الصدمة الجديدة كانت في أن الأخير اصطحب معه «طارق» القادم توّاً من المطار، ليعيدا ألق سهراتهما القديمة، فيجتمع الأصدقاء الثلاثة للمرة الأولى منذ سنوات، ونكتشف رويداً رويداً أنه ليس فقط هذه الغرفة هي قاسمهما المشترك، بكل ما تختزنه من ذكريات وتفاصيل عيش، بل إن «ليلى» أيضاً هي نقطة تلاق، لا تلبث أن تتحوَّل إلى مكمن نزاع بين الأصدقاء، «طارق» الذي تزوج من ألمانيّة ستنجب له بنتاً بعد ثلاثة أشهر، ومع ذلك يريد الاستئثار بحبيبته السابقة وكأنها مجرد سقط متاع، و«حسام» الراغب بها جنسياً بعدما رآها في حالة سكر ترقص مع أحدهم في بار من بارات المدينة، فصار يعرض عليها «مصاحبته» ويصر على ذلك رغم تمنُّعها، بينما «سيف» أحبَّها بصدق، لكنه يضمُّها إلى قائمة مخاوفه، مثلها مثل خوفه من الالتحاق بالخدمة العسكرية التي أجبرته على ملازمة غرفته، لدرجة بات يخشى حتى من إطلالتها على قاسيون، فوضع الخزانة أمام الشباك الوحيد فيها، لنعرف أن ثلاثتهم يمارس لعبة الطمّيمة على طريقته، «طارق» يختبئ في غربته، و«سيف» في عزلته، و«حسام» تحت بدلته الرسمية التي باتت تميزه كأحد تجار الحرب، بعدما صار يملك باراً خمس نجوم، مع دناءة وقلة ضمير ووجدان من الفئة ذاتها.
المكاشفات والمفارقات العديدة فرضت تحوّلات عديدة على الشخصيات الثلاث، واكبتها بحساسية عالية إضاءة «أدهم سفر»، حيث جاءت تلك التحوُّلات كتظهير لصورة سالبة «نيجاتيف»، وما إن بانت تفاصيلها حتى بدت أكثر سلبية وأقذر، ليس باعتبارها تصويراً لواقع رديء فقط، وإنما لقدرتها على سبر ملامح الظلال الكامنة في الوجوه، وتعرية الضوء المزيف فيها، لدرجة وضعت الأداء الواقعي للممثلين على مِحَكٍّ شديد الحساسية، ولولا إتقانهم التَّلوُّن في تلك المساحة الخصبة، لما استطاعوا إقناع المتلقين بأزمتهم الوجودية في هذا الظرف الراهن، وبأن المياه مقطوعة فعلاً، والكهرباء تمر بتقنينها، وأن تلك الكراتين مملوءة ببقايا منزل أهل «سيف» في درعا، وأنه بالإمكان تشعيل المدفأة لو توفر المازوت،… ساعدهم في ذلك تصعيد التَّوتُّر المدروس بدقة، والرسم المتقن لميزانسين دخول الممثلين وخروجهم وشَغْلِهِم لفراغات الخشبة، وتموضعهم على كرسيين وسرير متحرك بجانب تلفزيون أنهى فيه المذيع نشرته المسائية، في الجهة المقابلة للباب، وكأنهم محشورون، رغم محاولاتهم المتكررة للخروج، ولو من خلال أغنية «سوقية»، أو ذكرى، أو مجرد «نكتة»، أو مفارقة معيشية، كالتي قامت فيها شخصية «طارق» عبر المقارنة بين غربته ووطنه، من أنه أمضى سنتين في ألمانيا من دون أي حدث يستطيع مشاركته مع أصدقائه، بينما هو من باب المطار حتى باب غرفة «سيف» صار في جعبته الكثير مما يستطيع إخباره،… لكنّ تَبدِّي خيانتهم لـ«ليلى» كلٌّ على طريقته جعلنا نتمنى نهاية اللعبة، بعدما أعلنها الدراماتورج «كفاح الخوص» بشخصية «طارق»: «فَتَّحْ ورد الجوري» في حديثه عن مجتمع يختبئ ويأبى أن يختم اللعبة، فذاك اختبأ في البحر بعد أن بلعت أمواجه «البلم»، وآخر اختبأ في القبر، ثم خبَّأه أهله في كادر مع شريطة سوداء، وثالث اختبأ وراء تأجيل خدمته العسكرية، ورابع في جواز السفر، وخامس بالصمت، وسادس بالنهب، وسابع وثامن وتاسع… لكن «ليلى» لم تظهر، بل ظلَّت في «طمّيمتها» بعدما تكالب عليها الذئاب، من دون أن يأتي صيَّاد الحكاية وينتزع خوفها، وينتزع معه جدَّتها من جوف الذئب، وكأن اللعبة التي أرادها صُنَّاع العرض لم يُرَد لها أن تختتم كشموع عيد ميلاد «سيف» مع مفاجأة حضور حبيبته السابقة «نايا.. مرح حجاز»، ومحاولتها إعادة أواصر العلاقة معه بعد تخليها عنه، وإنما أن تبقى الحكاية مفتوحة ومُشَرَّعة على جبل قاسيون، بعدما أُزيحت من أمامه الخزانة، في اتحاد صميمي مع ليلى المعشوقة ووطن تسقيه مياه الفيجة من صنبور بسيط ظَهَّرَ الواقع كما هو، صادمٌ وقاسٍ، لكنّه مُعاش بكامل الحيوية التي بدت في أداء الممثلين وانفعالاتهم المتقنة، على اتساع طيف المواقف التي عايشوها، وما تستدعيه من انفعالات بلغت أكثر من ذروة لها، لدى كل من «يزن» و«كرم» و«كفاح»، مع معايرة بميزان الذهب للمخرج «عروة العربي» الذي أثبت مرة أخرى أنه بارع في إدارة الواقع المسرحي، مع تحميله بعض ملامح الرمزية اللافتة بمعانيها، حيث تحوّل شركاؤه في العرض إلى لاعبين مهرة في الطمّيمة، بينما قلوبنا تنتفض على واقعنا، وليلانا، ومجتمعنا المختبئ في لعبة، بالقول «فتّح ورد الجوري».

طباعة

عدد القراءات: 131