«.. لا أريد أن يُفكّر أحدٌ بي،
فلنفكر بالأرض كلها،
ونحن ننقر على الطاولة بحب..
لا أريد أن تعود الدماء من جديد
لتُلطخ الخبز واللوبياء والموسيقا..»
بين (1904 و1973)، تسعٌ وستون سنة, تلك هي الفسحة من الحياة التي أتاحتّها الأقدار لـ«ريكاردو إليثار نيفتالي ربيس باسو ألتو» وهو الاسم الحقيقي لمن سيصبح «بابلو نيرودا» لأن يكتب أكثر من خمسة آلاف صفحة من الشعر، ولتشُكّل جسداً بيبلوغرافياً يربو على الخمسين عنواناً..
«ريكاردو» الذي استعمل اسم بابلو إعجاباً بالشاعر التشيكوسلوفاكي جان نيرودا الذي عاش في القرن التاسع عشر، والذي سيُخلد الأول بهذا الاسم في كل ما كتب.. ولد في بلدة كروم وأعناب تابعة لمقاطعة «ليناريس» وسط الأراضي التشيلية, في «برال» المعذبة والعجيبة، برال التي لن تكون البلدة الأساسية التي سيسميها بألف طريقة طوال نصف القرن الذي مارس خلاله كتابة الشعر، فقد أخذوه وهو في الثالثة من عمره إلى بلدة «تيموكو» حيث يولد المطر والحد الجنوبي للحضارة في ذلك الحين – حسب كتاب ألبيرتو كوستي «بابلو نيرودا» – فإلى الجنوب منها، لا يُخاطر في الذهاب سوى المُتبقين على قيد الحياة من الهنود الأوركانيين الصبورين الصامتين.. تلك كانت الجغرافيا التي أعطت لمعاناً لقصيدة نيرودا، حيث يتعايش في شعره الغموض والسحر اللذان يبدوان ظاهراً فقط أنهما مُتناقضان.. تماماً كما تعايش في قصيدته بساطة التعبير مع تعقيده، كما الدقة في استخدام الكلمات التي تتعايش مع العبثية، حيث برز كشاعرٍ عرّاف ورائي.. شعر بمسحة إيمانية أقرب إلى الحكمة، قصائد هرمية في تصاعدها، بلغة واسعة لأنها تصوّر حالة العالم..
يؤكد ألبيرتو كوستي: إنه منذ «ثربانتس» لم يحرز شاعر ناطق بالإسبانية شعبية تُضاهي شعبية نيرودا، فترجماته تعد بالمئات بدءاً من اللغات الأوروبية كلها، وانتهاءً بلغات لا يُمكن تصورها، كالأوزبكية والأوردية، والبنغالية.. وعدد النسخ التي تحمل اسمه على غلافها في طول العالم وعرضه تصلُ إلى الآلاف، وتوجها بجائزة نوبل سنة 1971م، يلتصق الإبداع الشعري النيرودي بأسماعنا؛ لدرجة يتساءل المرء إذا ما كانت ظاهرة كهذه قد وجدت فعلاً في تاريخ الشعر..
«.. منذ ذلك الحين،
صار حبي خشبياً،
وفي كل ما ألمس يصبحُ غابة تختلطُ على العيون والأوراق
بعض النساء مع ربيع البندق
الرجلُ مع الشجرة..
أحبُّ عالم الريح والأوراق،
ولا أميّز بين الشقاء والجذور..»

طباعة

عدد القراءات: 126