إن كنت تجد في نفسك ميلاً للاستبداد فلا حق لك في أن تهجوه، لأنّ بدء الاستبداد ميل تشرعنه المصالح، وهكذا نحن نتحدث لغة غير قادرة على أن تحتوي النفاق الاجتماعي، بل تساهم اللغة في كثير من هذا الالتباس.
هل يكفي أن نختبئ خلف الإنشاء المُغالط لنقنع أنفسنا والآخر بإنسانويتنا التي لا تعني سوى ركوب سمفونية عصر إمبريالي يؤذي الأمم بأسوأ نوع من تدبير المصطلح وعن طريق أسوأ ممثلين للّغو الثقافوي.. إنّها الفاشية الثقافوية.
الإنسانية ثورة، وشجاعة من أجل الوجود وإدراك يقظ للمعنى وتمرين حدسي لا يتوقّف ولا شأن للأوغاد بها.
هل يا ترى وجب أن نرمي كل هذا الاستعمال الخبيث للمفاهيم في مجاري المياه ونعيد إنتاج المفهوم طبقاً لإرادة المعرفة؟
يبدو أن هذا هو المطلوب، فالحياة المعرفية ولاسيما في معظم مشهدنا العربي تعاني من العدوان المستمر، ذلك العدوان الذي يجعل المعرفة شكلاً من صناعة الزّيف، وكما في مشهدنا هناك هدر فاحش في السياسة والمال، فالمثقف الذي أنتجته تناقضات المشهد هو جزء من فساد يُنفذ في كل القطاعات.
أي معنى لرنين الأنسنة حين تصبح لوكة فموية لمتثاقفين يعزفون لغة المصلحة والأنسنة على جراح المستضعفين ويتحدثون عن سلام يشبه ما يعد به عبيد المنزل عبيد الحقل؟!..
أي أنسنة تلك التي يكتشفها مثقفو الوقت بدل الضّائع في دفء صالونات النّفط حتى لا أقول صالونات من ينتجون الفكر من محابر القلق؟!..
كل شيء بات قابلا للاستعمال، ألا يملّون؟!
ما زلت أؤكّد أنّ النّفط لا يشكل بيئة مناسبة لانبثاق فكر إنساني، وذلك لأسباب تتعلّق بإشكالية الإنتاج والتوزيع في مورد طبيعي يقع تحت السياسة الإمبريالية والرعاية الرجعية. هذا النفط يشتري ذمم المثقف المزيف فحسب ولا يشتري المثقف الحقيقي لأنّ المثقف الحقيقي لا يباع ولا يشترى، ولأنّه رافض للنذالة ونقيض استراتيجي «للتنفيط» الثقافي.
يعاني المشهد العربي هذا العدوان الصامت الذي لا يلتفت إلى خطورته المثقف المنسحب لأنّ النفط يخلق بدائل تتصدر الواجهة بكثير من الضوضاء الإنسانوي، وهو الخداع الثقافوي المكمّل للسياسات الرجعية التي تسعى للهيمنة على السياسة والثقافة والمال والإعلام وتخلق بدائل زائفة في المجال العربي وإفساد النخب.
كان الفكر هو أصل الثورة والتنوير، ولكنه أصبح «قوادة» في معظم مجالنا العربي لأنّ المتثاقف على آلام الأمّة وجراحها بات جزءاً من تخلف منظومة ثالثية، ولأنه عاجز عن أن يقنع العالم بدوره كمثقف ولأنه عاجز عن إنتاج ما يُقنع من المفاهيم فهو يختبئ في التمكين النفطي وينضم إلى سلالة العبيد, يبحث المتثاقف الانتهازي عن المصلحة والمكاسب وهو غير معني من قريب ولا من بعيد بمشكلات عصره ومشكلات مجتمعه بل يهرب في هذا الشتات والفوضى المفاهيمية ليخلق خطاباً طفيلياً تستعين به الإمبريالية والرجعية لمواصلة القهر، وهؤلاء بلغة السياسة هم المحميون وأدوات الإمبريالية الصغار الذين تدرك الإمبريالية نفسها بأنّهم جزء من مزرعة المرضى وفصيلة «البارانويّا» وأدوات الحرب على الحقيقة وآليات صناعة الإحباط..
إنّه شكل من الهروب السوسيولوجي و«الدعس» على الحقيقة الذي يقوم به متثاقفو زمن الأزمات.
هذا الصنف من مقلّدي خطاب إنسانوي في بحر من الدمّ يلقي باللائمة على الضحايا ويتجاوز في خطابه الفجّ دور الإمبريالية والرجعية الفاشية في سحق المعنى الثوري للثقافة..
لا أفق لهم مهما شغلوا هذه الوصلة «الكرونولوجيا» من زمن الهزائم، لأنّ تجارة الحروب تنتهي، ولكن جزء من برنامج المثقف الثوري أن يناهض الانتهازية الثقافوية التي تنتج خطاب القابلية للاستسلام والنذالة.
في تاريخ الطابور الخامس في السياسة والثقافة نقف على تفاصيل هذا الدور البائس الذي يُنتج نخباً ما زالت ثقيلة على العقل والقلب.
لا تعتقد أن هذه السنوات كانت الحرب فيها سياسية محضاً، بل إن الحرب على الحقيقة وضد المثقف الثوري كانت كبيرة وكبيرة جدّا.
استغلت الرجعية سياسة الحصار ضد المثقف المناهض للزيف وأطلقت المجال لعبيد المنزل أن يتصدروا واجهة «ملء الفراغ» وكأنّ لا خلل في نظام الأشياء، حتى ملؤوا الدنيا من حقير الإنشاء واختراق المفاهيم وتوظيفها في موجة الزيف وقلب الحقائق: دعاة سلام في زمن المقاومة.
وستكون مناهضة الإمبريالية مهمّة لا تقتصر على تقويض خطابها السياسي بل المطلوب تقويض الأشكال الطفيلية لخطاب العبيد ممن نصبوا صالونات التّفاهة الثقافوية في زمن الاستكبار، وهم حقّا مثال للمستكبرين بإنشاء «مدعوس عليه» إبستيمولوجياً وأيديولوجياً.
وأمام هذا التشويش الثقافوي الذي يستعين بسقط متاع المفاهيم، لا بدّ من أن يقول المثقف المناهض للزيف كلمته تجاه هذه الظواهر التي أنتجتها أزمنة الهزيمة والتّأزّمات، وهي شكل من الظواهر التي يجب جرّها عنوة إلى «الإكلنيك» بوصفها ظواهر مرضية، وهل تستعمل الإمبريالية والرجعية في حربها على الحقيقة غير المرضى؟

*كاتب من المغرب

طباعة
عدد القراءات: 5