منذ انعقاد اجتماعات «أستانا» في جولتها الـ 13 في العاصمة الكازاخية نور سلطان، والأحداث تتغير وتتبدل بشكل شبه يومي، إلى درجة يعجز معها المحللون عن سبر أغوارها أو الخروج باستنتاجات منها.
قبل هذه الجولة، كان الجيش العربي السوري قد أطلق عملية تحرير ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، ولم يكن أشد المتفائلين بنتائج المباحثات يصدق أن الدولة السورية ستقبل بوقف إطلاق نار متبادل، فما بالك بوقف إطلاق نار أحادي الجانب، وهو القرار الذي لم تستجب له العصابات الإرهابية، وأعلنت، في واحدة من المرات القليلة، رفضها هذا الوقف لإطلاق النار، وقامت مباشرة بشن مجموعة من الهجمات والاعتداءات على مواقع للجيش العربي السوري وحتى محاولة استهداف مطار حميميم.
اعتقد الكثيرون أن العصابات الإرهابية حصلت على ضمانات أميركية – تركية، بشأن العملية العسكرية السورية، وهذا ما دفعها لاتخاذ هذا الموقف، لكن ما حدث بعد أن أعلن الجيش استئناف عملياته ناقض هذا السيناريو، وتقدمت عمليات الجيش بسرعة، وأسقطت ثلاثة من أهم معاقل الإرهابيين في إدلب؛ خان شيخون، اللطامنة، التمانعة، وأصبحت الطريق نحو معرة النعمان مفتوحة، تماماً كما توقعنا، بعد ذلك تم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
ما بين «أستانا 13» ووقف إطلاق النار في إدلب، تتالت أحداث على الأرض كان لها تأثيرها في التطورات السياسية والعسكرية، لعل أبرز هذه التطورات، العدوان الإسرائيلي الثلاثي الذي طال مواقع للحشد الشعبي في العراق، ومحيط دمشق والضاحية الجنوبية لبيروت.
جاء خطاب سماحة السيد حسن نصر الله، ليؤكد أن هذا العدوان لن يمر من دون رد مباشر، وأعاد التأكيد على الموقف نفسه في خطابه التالي، وجاء رد الفعل الإسرائيلي ليظهر قناعة إسرائيلية كاملة بأن رد المقاومة أصبح أمراً محتوماً، كما إن نفي سماحته وجود مصانع للصواريخ الدقيقة داخل لبنان، مع تأكيده على امتلاك هذه الصواريخ، يعني ببساطة إعلانه بأن الصواريخ التي ستستعمل في أي مواجهة قادمة تعبر عن محور المقاومة بشكل كامل، هذه الصواريخ صنعت في سورية أو لبنان، وتحمل أجهزة توجيه دقيقة تصنع في سورية أو إيران، وسيتم إطلاقها بأيد لبنانية مقاومة، وهذا ما حدث بعد عملية ثكنة «افيميم» بإعلان استعمال صواريخ الكورنيت.
ما قاله السيد حسن نصر الله يعني ببساطة أن محور المقاومة بأكمله سيكون مشاركاً في الرد على العدوان الإسرائيلي، وتالياً سيكون منخرطاً أيضاً في التصدي لأي رد صهيوني، إذا قرأنا وقف إطلاق النار في إدلب في هذا السياق، فهذا يعني أن محور المقاومة جادٌ في قراره التصدي مجتمعاً لأي عدوان جديد على سورية أو لبنان.
في المقابل، يطرح محللون نظرية مفادها أن وقف إطلاق النار في إدلب، يعبر عن «استجابة» سورية – روسية لتهديدات تركية– أميركية للتصعيد في الشمال، وتهديدات إسرائيلية أميركية للتصعيد في الجنوب، ما ينفي هذه النظرية هو مجموعة من المعطيات السياسية والجيوسياسية، فمن ناحية لا تتمتع القوات التركية بأي نوع من التفوق في مسرح العمليات الذي حدده الجيش العربي السوري في الشمال، ألا وهو فتح أوتوستراد دمشق –حلب، يمكن للقوات التركية جعل المعركة أكثر صعوبة وخاصة في المرحلة ما بين معرة النعمان وسراقب، لكن حسم المعركة بانتصار الجيش العربي السوري أمر بدهي تدركه جميع الأطراف.
في الجنوب، لا تستطيع «إسرائيل» التورط في مواجهة مفتوحة، حتى لو كانت محدودة مع حزب الله. الانتخابات المقبلة لا تسمح لنتنياهو بخسارة ولو قتيل واحد بصاروخ من حزب الله، وفي حال اندلاع مواجهة، فإن الخارجين من الملاجئ لن يمنحوا أصواتهم لمن أدخلهم هذه الملاجئ. الأغلب أنهم سيتوجهون إلى أحزاب أكثر تشدداً ويمينية، لكن الأحزاب الوسطية يمكن أن تحصل على نصيب مهم من التحول في مزاج الشارع.
تدرك المقاومة الوضع الذي حُشر فيه نتنياهو، وهي تسعى لاستغلاله، سواء من خلال الحرب النفسية القائمة على انتظار الرد، أو الرد نفسه الذي لا يملك نتنياهو خياراً إلا القبول به، وهو ما دعا أطرافاً دولية لإرسال رسائل إلى حزب الله عبر قوى سياسية لبنانية «تطالب برد محدود» من الحزب، «لتجنب خسارة فادحة لنتنياهو، وإعطاء فرصة لفوز اليمين المتشدد الذي قد يلجأ إلى خيارات سياسية داخلية وخارجية تحرج القوى الدولية الداعمة لـ «إسرائيل»، خاصة في أوروبا».
بعيداً عن الشحن المعنوي، فإن محور المقاومة يدرك تماماً أن «إسرائيل» قوية.. لكن محور المقاومة استطاع في العام 2000 تحقيق نصر كبير على الاحتلال الإسرائيلي دفعه إلى الاندحار من جنوب لبنان، عاد هذا المحور في تموز من العام 2006 لتحقيق نصر حاسم على قوات الاحتلال الإسرائيلي، وحقق معادلة ردع ضد الصهاينة، إذ لم يعد أي عدوان إسرائيلي في المنطقة الشمالية ممكناً، توجهت «إسرائيل» نحو الجنوب، فكان عدوان 2008 على غزة، الذي أثبت أن محور المقاومة بدأ في بناء قاعدة أساسية من التعاون تحول المعركة في الشمال والجنوب إلى معركة واحدة.
بعد انطلاقة «الربيع» الصهيوني، وشن الحرب الإرهابية على سورية، أصاب قوة الردع التي شكلها محور المقاومة بعض الضعف، وهو ما استغله العدو الصهيوني للقيام باعتداءات على الأراضي السورية، لم يكن الهدف منها إيقاع خسائر، أو منع قوى المقاومة من الحصول على أسلحة متقدمة، فكلا الهدفين غير منطقي، أما الهدف الحقيقي فكان محاولة العودة إلى حالة ما قبل 2006، واستعادة «إسرائيل»، وبشكل خاص سلاح الجو لديها «لهيبته» ودوره في المعارك، بعد أن فقدها تماماً لمصلحة صواريخ الأرض– أرض عامي 2006 و2008.
محور المقاومة استعاد قوته وقدرته على ردع العدو، وهذا لم يحدث اليوم، بل في شباط 2018 عندما أسقطت الدفاعات الجوية السورية طائرة إف– 16 إسرائيلية، منذ تلك اللحظة وقوة الردع لدى محور المقاومة تتصاعد، حتى وصلت إلى ما قاله سماحة السيد نصر الله في خطابيه الأخيرين من دون أوهام أو تهور في دفع الأمور نحو حرب مفتوحة، نستطيع القول اليوم إن كل ما حققه العدو من مكاسب سياسية وعسكرية ما بين 2011– 2019 قد انتهى، وأننا عدنا إلى النقطة نفسها قبل انطلاق الحرب على سورية، بل لعلنا في موقع أفضل بسبب تماسك محور المقاومة ووحدته كما لم يكن في يوم من الأيام.

*كاتب من الأردن

طباعة
عدد القراءات: 9