وحده جيشنا الباسل- الجيش العربي السوري- مَنْ يُتقن صنع البدايات وتخليد النهايات الوطنية المشرفة.. وحده مَنْ يُمسك بمسارات الميدان، قد يُفلت أو يُرخي أحدها «تكتيكياً» فيدخل في «هدنة».. هدنة ليست استراحة محارب، وعهدنا بجيشنا أنه لن يستريح إلا بتحرير كامل تراب الوطن.. «هدنة» هي بمنزلة «ممر» للعدو «الجار» ليلملم هزائمه وخسائره وإرهابييه ويندحر بهم ومعهم عن أرضنا، فإذا فعل كان حسناً له، وإذا لم يفعل، يُعيد جيشنا شد «المسار» والإمساك به ليصنع انتصارات جديدة.
وحده جيشنا مَنْ يُتقن لغة السياسة مع لغة الميدان، فيتكامل مع القيادة/ الدولة التي يعترف لها الجميع – العدو قبل الصديق – بأنها لاتضاهى في ميدان السياسة والحوار والتفاوض.
يمضي جيشنا في معارك التحرير والتطهير غير معني بكمِّ التحليلات والتوقعات والتساؤلات بشأن: ماذا بعد تحرير هذه المنطقة أو تلك؟
تحرير الأرض فعل إرادة وسيادة، وحق وطن.. هذا هو الجواب الحاضر أبداً.
لا يغلق جيشنا البطل باب المعارك، يواربه لبعض الوقت، إفساحاً لباب سياسي يُفتح.. كلا البابين ضروري، معارك السياسة لا تقل أهميةً عن معارك الميدان، قد تسبق إحداهما الأخرى، وقد تتفرد إحداهما بالحضور أحياناً، وقد تسيران معاً ولكن دائماً تتكاملان نحو هدف واحد.. وإذا كان باب السياسة فُتح لشهر أيلول الحالي- كتأكيد جديد على أن سورية مستعدة للسير مع كل فرصة للحل- فإن باب الاحتفاظ بحق الرد على أي خرق يبقى مفتوحاً، ليستكمل جيشنا مسار الانتصارات التي حققها ويحققها، والتي كان لنا معها محطات فاصلة خلال الشهرين الماضيين وبما أجبر العدو، الأصيل والوكيل، على الهرولة إلى كل مكان طلباً للتدخل والإنقاذ.

إلى حين ستتوقف الأسئلة من نوع: ماذا بعد، وأي منطقة هي الهدف التالي لجيشنا؟.. ليتصدر سؤال: ماذا سيخرج من باب السياسة الذي سيُفتح مجدداً خلال شهر أيلول الحالي، علماً أن الإجابة عن هذا السؤال مفتوحة بقدر ما سيبقى ذلك الباب مفتوحاً، وقد يُغلق إلى حين حسب التطورات كما حدث في شهر آب الماضي (وفي محطات كثيرة خلال الأعوام الماضية من عمر الحرب الإرهابية على سورية).
لنعد التذكير هنا بأن هذا العام 2019 بدأ على باب سياسي مفتوح بعد عام حافل بالانتصارات الاستراتيجية (أي عام 2018) وعلى المستويين العسكري والسياسي. وكان عام 2018 انتهى بذلك القرار الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب (في 19 كانون الأول) بسحب القوات الأميركية من سورية في غضون 60 إلى 100 يوم.
بداية سياسية.. ترقّب واستعداد
طوال ثلاثة أشهر تقريباً بداية هذا العام 2019 انشغل العالم بقرار الانسحاب الأميركي، وبينما كان السوريون يعدونه عنواناً للنصر ودليلاً على هزيمة المشروع الأميركي، عاش حلفاء الولايات المتحدة على أعصابهم، يدورون حول أنفسهم، محاولين إثناء ترامب عن قراره أو دفعه لتعديله أو تأجيله على الأقل، ولكن من دون جدوى، فلجؤوا إلى الالتفاف والمناورة والدفع باتجاه إبطال ما يُمكن أن تحصده الدولة السورية من مفاعيل إيجابية لهذا القرار، وذلك عبر طرح سؤال «من يملأ الفراغ» وتحويله إلى قضية إشكالية وبما «يحرم» سورية إلى حين حقها السيادي على جزء من أراضيها.
لكن حلفاء واشنطن وقعوا في شرّ أعمالهم، وكاد الجواب على ذلك السؤال يدخلهم في صراع واقتتال، لولا أن واظب ترامب على إرسال مسؤوليه إلى المنطقة طوال تلك المدة للتهديد تارة وللتهدئة تارة أخرى.
هذا ما يخص حلفاء واشنطن في الجوار الجغرافي، أما الحلفاء في الجوار الأبعد فلم يكن حالهم أفضل مع بدء ترامب موجة ابتزاز جديدة لهم ومساومتهم على دفع ثمن بقاء القوات الأميركية في سورية.
في النهاية، قرار الانسحاب لم يُنفذ، وبدأ ترامب ومسؤولوه يتنصلون منه يوماً بعد يوم حتى لم يَعُد أحد يتحدث عنه (حتى ذلك المقترح الذي حاول ترامب فرضه قسراً على الأوروبيين وإجبارهم على إرسال قوات لهم إلى سورية تشارك القوات الأميركية في عدوانها على الأرض والسيادة السورية.. حتى هذا المقترح سقط منذ أيامه الأولى مع رفضه جمعاً من قبل الأوروبيين).
لا شك في أننا -نحن السوريين- انتظرنا كغيرنا تنفيذ قرار ترامب، ولكن ليس بالطريقة التي انتظرها الآخرون.. احتفظ السوريون بمسألة عدم الانجرار نحو التفاؤل الكامل، ففي نهاية المطاف لا ثقة بالولايات المتحدة، وإذا كان باب السياسة استمر مفتوحاً خلال الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام، فهذا لم يكن مرتبطاً بقرار ترامب.. وبداية هذا العام شهدت العديد من المحطات السياسية المهمة خصوصاً ما يتعلق منها بمسار أستانا، وتعميق التنسيق بين أطراف محور مكافحة الإرهاب.
لا ثقة إلا بجيشنا.. مرحلة ميدانية جديدة
إذاً، مرت الأشهر الثلاثة الأولى، وبقي قرار ترامب عنواناً للاعتراف بالهزيمة، أما جيشنا فكان يستعد لمرحلة ميدانية جديدة بدأت فعلياً منتصف نيسان ومهدت لانتصارات آب، ومع بدء هذه المرحلة عادت إدلب بقوة لتتصدر المشهد خصوصاً مع استمرار التقدم الميداني لجيشنا البطل.. وما إذا كان هذا العام 2019 هو عام إدلب؟
ولابد من الإشارة هنا إلى أنه عندما نتحدث عن مرحلة ميدانية جديدة فهذا لا يعني توقف المسار السياسي، بل يبقى مستمراً في محطاته الرئيسة المعروفة وفي زيارات وجلسات واجتماعات تتضمن جداول أعمالها كل ما يتعلق بسورية، وفي أغلب هذه المحطات يتقدم الميداني على السياسي باعتباره يلعب الدور الأهم في تحديد النتائج السياسية، خصوصاً ما يتعلق بمسألة الهُدن التي تقبل بها الدولة السورية تأكيداً منها -كما قلنا سابقاً – على أنها مستعدة للسير مع كل فرصة للحل والتسوية، ولكن دائماً على قاعدة السيادة والحق في دحر الإرهاب عن كل أراضيها.. وأيضاً على قاعدة أنها في كل هدنة هي مَنْ يمسك بالأرض، ولأنها هدنة هي بمنزلة ممر يُفتح لخروج الإرهابيين، أي إنها ليست هُدناً دائمة، وفي حال أقدم الإرهابيون وداعموهم على خرقها قبل تحقيق ذلك الخروج، فإن حق الرد و«الضرب» محفوظ وصولاً إلى تحرير كل منطقة يوجدون فيها.
في شهر أيار الماضي بدأ جيشنا التحضير لمرحلة ميدانية جديدة مع تصاعد إرهاب المجموعات المسلحة ضد القرى والبلدات الآمنة في الأرياف الشمالية لمحافظتي حماة واللاذقية، إذ ارتقى العديد من الشهداء وأصيب آخرون من أبنائها.
أيار.. بشائر الانتصارات
بدأ جيشنا سلسلة عمليات انطلاقاً من ريف حماة الشمالي، ولم تلبث بشائر النصر أن هلّت، إذ تمكن جيشنا من تحرير عدة قرى وبلدات وتثبيت نقاط قوته فيها.. ليكسب بذلك أفضلية قطع طريق الإمداد بين قلعة المضيق (ريف حماة الغربي) وبلدة كفر نبودة وبما يُمهد لنصر قادم في كفرنبودة حقق من خلاله موقعاً متقدماً للانطلاق: 1- إما شرقاً نحو الهبيط وبما يفتح الطريق نحو خان شيخون وصولاً إلى عزل جيب كامل يضم بلدات مورك اللطامنة وكفر زيتا. 2- وإما غرباً باتجاه قلعة المضيق أحد أبرز المواقع التي يستخدمها الإرهابيون لإطلاق الصواريخ باتجاه القرى والبلدات في أرياف اللاذقية وحماة (وكان الجيش تمكن في 8 أيار من استعادة منطقة جرف الصخر التي تعد أعلى نقاط جبل الزويقات، وتكتسب أهميتها الميدانية من قربها من سهل الغاب).. وكان الخيار باتجاه قلعة المضيق.
وسّع جيشنا نطاق معاركه ليضيف نصراً جديداً بسيطرته في الـ 9 من أيار على بلدة قلعة المضيق ومحيطها في ريف حماة الشمالي الغربي، ولم تنجح كل الهجمات المضادة التي شنتها المجموعات الإرهابية في استعادة ما خسرته، ففي كل هجوم كانت تصطدم بجدار ناري من قبل الجيش العربي السوري، يضاعف خسائرها البشرية والمادية.
عند قلعة المضيق، ومع رسوخ نقاط القوة التي ثبتها الجيش في المناطق التي استعادها، انتهت مرحلة وبدأت مرحلة.. مرحلة أوسع نطاقاً وأكثر تركيزاً باتجاه ريف إدلب الجنوبي، وكان ذلك منتصف أيار.. ومعها بدأ صراخ الإرهابي الأصيل- تركيا (مدعوماً من الإرهابي الأميركي) يعلو محذراً مما سماه انتهاكاً لتفاهمات أستانا، مطالباً بلا حياء بوقف تقدم الجيش العربي السوري.. رغم أن النظام التركي لم يكف يوماً عن خرق تفاهمات أستانا عامداً متعمداً دعماً للمجموعات الإرهابية التي يرعاها ويمولها على الأرض السورية. ولكن كل ذلك، لم يُفده واستمر الجيش العربي السوري في تقدمه مُستعيداً المزيد من القرى والبلدات والتلال الحاكمة.
في المرحلة الثانية من التقدم الميداني، سيطر الجيش العربي السوري على بلدات باب الطاقة والشريعة والعريمة وميدان غزال (في طوق قلعة المضيق الشمالي) ووصل إلى أطراف بلدتي الصهرية وقيراطة (قرب الحدود الإدارية بين محافظتي حماة وإدلب) ثم سيطر على بلدات الشيخ إدريس والتوبة والجابرية وتل هوّاش في ريف حماة الشمالي الغربي، مُوسِّعاً بذلك نطاق سيطرته في محيط كفرنبودة وقلعة المضيق.. محبطاً في الوقت ذاته عدة هجمات للإرهابيين على هذه المناطق وموقعاً خسائر فادحة في صفوفهم.
في الـ19 من هذا الشهر تم التوافق على ما سُمي «هدنة مرحلية» لم تُعمر ولو ساعةً واحدة بسبب رفض المجموعات الإرهابية الالتزام بها برغم أن راعيها التركي هو من هرول في سبيلها في ظل الهلع الذي أصابه من جراء الهزائم المتواصلة لمجموعاته الإرهابية. وكانت هذه المجموعات استغلت موافقة الجيش العربي السوري على الهدنة لتشن عدة هجمات على البلدات والقرى التي حررها، ولكن جميعها باء بالفشل، لتعود تركيا إلى الهرولة والولولة طلباً لهدنة جديدة (مدعومة كما هو الحال دائماً من واشنطن) ولكن هذا الطلب لم يتحقق.
حزيران.. كرٌّ وفرّ
مع بداية شهر حزيران، استعاد الجيش العربي السوري بلدة القصابية والتلال المحيطة بها، ما مكّنه من إحكام السيطرة على الطريق الممتد منها نحو الهبيط وصولاً إلى خان شيخون شرقاً، وعلى أطراف جبل شحشبو غرباً.. والقصابية هي أول بلدة يدخلها الجيش على هذا المحور ضمن حدود محافظة إدلب الإدارية، إلى جانب كونها تعد المنطلق الرئيس لهجمات الإرهابيين المضادة التي كانت تستهدف بلدة كفرنبودة، كما كانت موقعاً متقدماً وفّرَ للإرهابيين استهداف بلدات ريف حماة الشمالي بالصواريخ والقذائف.
في هذا الشهر، ضاعف الإرهابي التركي حجم دعمه للإرهابيين بالسلاح من جهة، وبالإرهابيين من جهة ثانية.. وبالتغطية على جرائمهم في المحافل الدولية من جهة ثالثة، الأمر الذي أوقف تقدم الجيش العربي السوري أياماً معدودة بين معارك كرّ وفرّ، لينتهي كل ذلك ببسط الجيش سيطرته بصورة نهائية على كل المناطق التي حررها في نيسان وأيار.
وفي الـ13 من هذا الشهر الذي تحولت معه مناطق ريف حماة الشمالي إلى جبهة مفتوحة بزخم ميداني غير مسبوق، عاد حديث الهُدن المرحلية، وفي كل منها كان الجيش العربي السوري يبدي استعداده للموافقة عليها بما يسحب الذرائع من الإرهابي التركي ويضعه أمام مسؤولياته وتعهداته في إطار تفاهمات «أستانا» و«سوتشي» لكن وكما في كل مرة تسقط الهدنة بنيران مجموعات الإرهابي التركي الذي يظن أنه في كل مرة يستطيع مد أنفاس إرهابييه بضع ساعات، على أمل احتواء هزائمهم.. وفي كل مرة يُخمد الجيش العربي السوري هذه الأنفاس وعلى نحو يجبر العدو وإرهابييه على البحث عن مخارج هرب، لا تتوافر له في كل مرة فيعترف بالهزيمة صاغراً طالباً الإنقاذ.
تموز.. عودة إلى السياسة
في هذا الشهر، فُتح باب السياسة مجدداً، وبشكل أدق نصف باب فقط عنوانه استكمال ملف «لجنة مناقشة الدستور» ولكن من دون تفاؤل يُذكر.. وفعلاً لم يتحقق أي شيء. وفي منتصف هذا الشهر، طغى حديث التحضيرات لجولة جديدة من محادثات «أستانا» التي قُررت أوائل آب.. بالتوازي استمرت معارك الجيش العربي السوري في ميدان بات أوسع جغرافياً وأكثر ثباتاً لمصلحته، وعلى نحو مهّد لأهم الانتصارات في هذا العام التي تحققت في آب.. وكانت المجموعات المسلحة كثفت من استهدافها لريفي حماة واللاذقية الشماليين كمحاولة لعرقلة تقدم الجيش والتخفيف من خسائرها ولكن من دون جدوى.
في نهاية هذا الشهر، بدا أن الأولوية بالنسبة للجيش العربي السوري هي تثبيت نقاط القوة والدفاعات في المناطق التي حررها في ريف حماة الشمالي، لذلك، انخفضت وتيرة المعارك بعدما أحكم جيشنا سيطرته على قريتَي تل ملح والجبين، وثبّت نقاطه فيهما، وتابع تقدمه في مزارع أبو رعيدة على محور الزكاة ووادي حسمين شرق تل ملح، استعداداً لمرحلة ميدانية جديدة ستبدأ مع بداية آب.
آب.. تحرير خان شيخون
انعقدت محادثات أستانا في جولتها الـ 13 وأقرت- بالتزامن- هدنة جديدة وافقت عليها الدولة السورية (على قاعدة حقّ الرد) وبشرط المضيّ في تنفيذ بنود «اتفاق سوتشي» وأوّلها انسحاب المجموعات الإرهابية من «المنطقة المنزوعة السلاح» مع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وبذلك تكون الدولة السورية وضعت مرة أخرى الراعي التركي للإرهاب أمام تنفيذ التزاماته، لكن وكما في كل مرة فإن لتركيا الأهداف العدوانية نفسها في محاولة شراء الوقت لإعادة ترتيب أوراق مجموعاتها الإرهابية وتوزيعها في تشكيلات جديدة على الأرض.
وكما هو متوقع، لم تلتزم المجموعات الإرهابية بالهدنة واستمرت في انتهاكاتها، وعلى نحو متصاعد، ما دفع الجيش العربي السوري في يومها الثالث (5 آب) إلى إعلان استئناف عملياته العسكرية في ريف حماة الشمالي، وريفَي إدلب الجنوبي والغربي انطلاقاً من «كون الموافقة على وقف إطلاق النار كانت مشروطة بتنفيذ أنقرة التزاماتها بموجب اتفاق سوتشي، وعدم تحقق ذلك».
أول إنجاز ميداني في هذا الشهر كان تحرير قرية الأربعين في ريف حماة الشمالي (6 آب) ثم قرية الزكاة المجاورة.. وصولاً إلى تحرير بلدة الهبيط الاستراتيجية (11 آب) التي تعد بوابة المناطق الجنوبية من إدلب التي ستفتح لاحقاً طريق الجيش باتجاه السيطرة على خان شيخون والطريق الدولي (دمشق– حماة).. ومن الهبيط باستطاعة الجيش إطباق حصار كامل على الإرهابيين في بلدات ريف حماة الشمالي (اللطامنة ومورك وكفرزيتا).
بعد تثبيت الجيش دفاعاته في الهبيط واصل تقدمه في الريف الجنوبي لإدلب قاطعاً خطوات إضافية لعزله عن ريف حماة الشمالي، مُسيطراً على بلدات مدايا وعابدين وخربة عابدين ومغر الحمام وحرش الطويلة.
في الـ14 من هذا الشهر، دق جيشنا أبواب خان شيخون من خاصرتها الغربية (تل عاس) بالتوازي مع توسيع عملياته في خاصرتها الشرقية (سكيك) عامداً إلى تطويقها من أغلب الجهات في عملية احتضان ناري، حسب لغة الميدان.
وفي الـ 22 من هذا الشهر، أحكم جيشنا سيطرته على مدينة خان شيخون– كبرى مدن ريف إدلب الجنوبي– في نصر استراتيجي كبير ما زالت أصداؤه تتردد– ولم تفلح كل مساعي تركيا لنجدة مجموعاتها الإرهابية في المدينة عسكرياً ولا سياسياً، إضافة إلى أن السيطرة على خان شيخون تعزل نقطة المراقبة التابعة لها- أي لتركيا- في مورك عن محيطها وتفرغها من قيمتها، وعلى نحو يجبر تركيا على تفكيكها مهما ماطلت وناورت.
وفي لغة الميدان، فإن السيطرة على خان شيخون هي محطة فارقة ما بين مرحلتين، ما قبل خان شيخون وما بعد خان شيخون، إذ إن الجيش العربي السوري بسيطرته على خان شيخون فرض واقعاً عسكرياً جديداً (بمفاعيل مستقبلية) في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي وصولاً إلى ريف اللاذقية الشمالي.. أيضاً بالسيطرة على خان شيخون يكون الجيش أحكم طوق عزلة كاملاً على المجموعات المسلحة في مورك واللطامنة ولطمين وكفر زيتا التي سقطت تباعاً ليصبح كل ريف حماة الشمالي خالياً من الإرهاب ومجموعاته.
بتوسع أكبر، لماذا تعد السيطرة على خان شيخون بهذه الأهمية الاستراتيجية؟
1- جغرافياً: تعد خان شيخون أكبر مدن ريف إدلب الجنوبي.. تبعد مسافة 35 كم عن مدينة حماة.. و70كم عن إدلب المدينة.. و100كم عن مدينة حلب، متربعةً على الطريق الدولي حلب- دمشق في موقع استراتيجي حيوي ومهم، وإلى جانب ذلك يشكل الطريق الدولي الذي يمر منها شرياناً حيوياً يربط بين أبرز المدن في سورية، من حلب شمالاً مروراً بحماة وحمص وسطاً ثم دمشق، وصولاً إلى معبر نصيب الحدودي مع الأردن جنوباً.
2-عسكرياً: سيطرة الجيش العربي السوري على خان شيخون تمكنه من حماية نقاطه ومواقعه المنتشرة في ريف حماة الشمالي الغربي، إضافة إلى إبعاد الخطر عن الطريق الاستراتيجية التي تصل حماة بالمنطقة الساحلية.. كما إن السيطرة على خان شيخون تعني كسر خط الدفاع الأول للمجموعات الإرهابية على نحو يفتح طريق الجيش باتجاه مناطق جديدة في عمق إدلب.
3- سياسياً: من شأن السيطرة على خان شيخون توسيع باب السياسية على نحو أكبر بعد إضعاف المجموعات الإرهابية المسلحة التي ترفض مسار «أستانا»، وتحجيم مساحة وجودها على الأرض، وهذا ينسحب بدوره على تركيا التي تقوض مسار «أستانا» من خلال مواصلتها دعم هذه المجموعات.
بعد خان شيخون واصل جيشنا تقدمه ليسيطر في الـ 28 و29 من آب على بلدة الخوين والمزارع الممتدة ما بينها وبين مدينة التمانعة جنوب شرق إدلب، إضافة إلى بلدة الزرزور وتل غبار وأبو دالي ووادي الناقة وتلة التركي وسيدي جعفر وتل سكيكات وتل سيد علي. وفي الـ 30 من آب أعلن جيشنا سيطرته على مدينة التمانعة (التابعة لمنطقة معرة النعمان) ليؤمن بذلك الخاصرة الغربية لمدينة خان شيخون بعد تأمين خاصرتها الشرقية عبر السيطرة على الهبيط.
بالتوازي، أعلن الجيش قبوله وقفاً لإطلاق النار بدءاً من صباح السبت الماضي (31 آب) مؤكداً «الاحتفاظ بحق الرد على أي خرق من قبل الإرهابيين».
أيلول.. سياسة بتوقيع انتصارات جيشنا
وهكذا يكون شهر آب قد أقفل أيامه على أهم الانتصارات لهذا العام 2019 ليفتتح شهر أيلول أيامه على باب سياسي جديد «واعد» للدولة السورية حسب المراقبين.. من دون أن يعني ذلك إغلاق باب الميدان، إذ إن جيشنا مستعد دائماً لفتحه متى اقتضى الأمر.
في هذا الوقت، سيعود المحللون والمراقبون إلى قراءاتهم وتوقعاتهم التي قد تصيب وقد تخيب، بينما يحتفظ جيشنا الباسل بقراءاته حسب مقتضيات الميدان، ليترجمها انتصارات تتوالى وتقرّب السوريين من النصر النهائي.

طباعة

عدد القراءات: 68