في القاموس «عنوان كل شيء » هو ما دلّك من ظاهره على باطنه»، وعنوان الكتاب: سمته وديباجته.. لكن هل يُمكن لعنوان كتابٍ أن يدلَّ على باطنه، أي على موضوعه ومضمونه؟!! الاستثناء في هذا المجال؛ هو كتب الشعر.. فليس من السهل أن يُختصر مضمون كتاب شعري في عنوان.. كذلك الأمر بالنسبة إلى قصيدة واحدة، فكيف إذا تعلق الأمر بمجموعة من القصائد..تنبه أسلافنا في الزمن القديم إلى هذا الأمر، فلم يعمدوا إلى وضع عناوين للقصائد ولا للدواوين، فالدواوين القديمة سُميّت بأسماء أصحابها مثلاً: ديوان المتنبي، ديوان أبي تمّام، أو ديوان جرير والفرزدق والبُحتري.. هناك استثناءات نادرة، مثل: «سقط الزند» و«لزوم ما يلزم» لأبي العلاء المعري، ولا أدري من أطلق هذا العنوان على هذا الكتاب أهو الشاعر أم من اهتمّ بشعره من الدارسين أو الشارحين.. إذاً لم تُعطَ دواوين الشعر القديمة عناوين خاصة، وكذلك لم تكن القصائد تُعطى عناوين خاصة هي الأخرى، وعلى الأغلب ما تتم الإشارة إلى غرض القصيدة من مدح أو هجاء أو رثاء.. بعض القصائد القليلة جداً عُرفت بأسماء مُعينة، مثل لامية العرب، ولامية العجم، وهي أسماء لا تدل على مواضيع أو مضامين، وإنما تنم عن حادثة أو ظاهرة أو قضية ارتبطت بها هذه القصيدة أو تلك، بعض القصائد عُرفت بقافية اعتمدتها مثل سينية البُحتري وغير ذلك.. إذاً لم تحتج القصيدة قديماً إلى عنوان، والاهتمام بإعطاء عناوين للأعمال الشعرية؛ ظهر في مرحلة الشعر الحديث ووصل إلى حد التفنن في ذلك، فالشاعر راح يبحث عن الغرابة والطرافة في العناوين، وقد يكون العنوان بعيداً كل البعد عن المضمون، فمهمة العنوان باتت إحداث صدمة من شأنها أن تجذب القارئ أو المعني بالبحث عن الجديد في مجال الشعر، وليس في إعطاء فكرة عن مضمون العمل الشعري.
وإذا كانت العناوين الأولى مركبة من أسماء أو صفات مثل: (أنشودة المطر، أو الناي والريح)، فإنّ العناوين اللاحقة دخلت فيها عناصر جديدة، ولم تعد مُقتصرة على الأسماء، وإنما صار من الممكن أن يكون العنوان جملة فعلية (الغزالة تعود إلى البحر). مرت فترة من الزمن كان يُطلق على المجموعة عنوان إحدى القصائد فيها، غير أن هذا العرف لم يستمر طويلاً..
اليوم لم يعد العنوان مُطابقاً لمفهومه القاموسي غير إنه أصبح مجالاً للإبداع في حدّ ذاته.

طباعة

عدد القراءات: 101