أحياناً كثيرة يبدو السؤال عن الآثار السلبية للمركزية الغربية والمُعطلة للتطور العالمثالثي.. تهمة، حيث السؤال المناهض لها يوجد على الفور وعلى كل الألسن المصابة بالعدوى: وأين المفرّ.. فكل ما لدينا هو من الغرب، وكيف لا نمرض نتيجة المسافة الكبيرة التي تفصلنا عنه.. وما قيمة هذا الكبرياء في مناهضة الغرب حول حضارة هو سيدها؟
والحقيقة سنكون هنا في وضعية بائسة جدّاً، لأننا سنسلّم بأن هذه الحضارة التي هي ميراث العالم هي حصيلة إبداع غربي محض، وهذا الاختزال نابع من إرادة الاحتكار، وأمام هذا الاحتكار تبدو تنمية الجنوب مهمّة «بروميثيوسية». في الحقيقة نحن ندرك أنّ في كل هذه الحكاية كان بروميثيوس مثالاً عن اقتباس سويّ وثوريّ ولم يكن ضحية عدوى، لأنه ناضل ودفع ثمن الاقتباس الحرّ في شكل عقوبة أبدية. وهنا يبدو المجال العربي في معظمه غير آبه بالتنمية ولا حتى بالموقف البروميثيوسي- شهيد العدالة التنموية- بل هناك من يسعى في اتجاه نقيض: إقناع الغرب بالعدالة التنموية والحضارية.
لا شك في أنّ الأسطورة اليونانية لم تقدم لنا مثالاً نقيضاً لبروميثيوس أي تحصيل النار بالمفاوضات، ولكن نستطيع أن نتخيّل الموقف: أنّ نقيض بروميثيوس لن تكتب عليه اللعنة الأبدية في شكل عقوبة أبدية بل سيكون وضع نقيضه هو العبودية وعبثية «سيزيف» إن صحّت المقارنة.
سأستعمل مفهوم العدوى في وصف العلاقة مع الغرب لصديق قديم هو د. غريغوار مارشو، وله في هذه الحبكة حكاية، كان هذا الأخير قد منح للعدوى معنى سيكوباتولوجياً بوصفه محللاً نفسياً منحدراً من الخبرة اللاّكانية، سبق أن رُفضت رسالته حول العدوى ولكن سيقبل الإشراف عليه فرانسوا شاتللي، وعليه ففكرة العدوى غير مقبولة في نظر عالم المركز، فطريق التطور لا يمكن أن تمرّ من دون هذا الطريق فلم اعتبار المسار الوحيد للتاريخ مجرد عدوى وظاهرة مرضية؟.. هذه حكاية أخرى على مفارقة المثقف غير المتحرر من الذُّهان التمركزي، وبذلك تصبح الكونية أضيق من المحلية بل تفتقر إلى الإمكان نفسه.
وحين يستعمل غريغوار مرشو مفهوم العدوى بحمولته التحليل- نفسية، فهو لا يهدف إلى الغايات نفسها التي يتجه ناحيتها نقد الغرب الصادر من أعلام النهضة العربية مثل محمد عبده وتلامذته ولا حتى الوجه الآخر: فرح أنطون وشبلي شميل وسلامة موسى، فهو يتحدث عن مفارقة في الخطاب، لكنه أيضاً لا يقدم لنا البديل.. حيث نقد الغرب إن لم توضع في غايته بدائل يصبح نقداً عدميّاً.
هذا يضعنا أمام قضية أخرى وهي أنّ نقد الغرب هو مسار متشعب وأهدافه متعددة وهي الأخرى تبدو متناقضة أحياناً: نقد يرمي إلى ما بعد الحداثة، وآخر إلى ما قبل الحداثة، وثالث نحو المُمكنات الأخرى للحداثة، ورابع نحو العدمية.
يجب التأكيد على أنّ فكرة العدوى ليست من ابتكار غريغوار مارشو وإنما لنقل هو تنزيل مختلف لشيء تمت الإشارة إليه في الخطاب النقدي الغربي نفسه ومن خلال جيوبه المناهضة لديكتاتورية المركزية الغربية، وربما سيكون هناك فهم آخر للعدوى وبشكل يبدو أكثر منطقية وثورية من قبل رجل يناهض المنهج، ليس فقط لأنه منهج بل نظراً لآثار ديكتاتوريته التي زادها التمركز الغربي سلطة إضافية منيعة.. وأعني هنا فيرآبند الذي تحدث عن العدوى الغربية وعن المرض، غير أنّ لموقف فيرآبند مبتدأ وغاية وإن صوّرَه مخالفوه كعدميّ، فهو يسعى للتحرر من فكرة أنّ العلم ثابت ليجعل منه مجرد تقليد ضمن تقاليد أخرى، وأنّ عمليات التفكير والبحث مفتوحة على كل الاحتمالات ومن دون وفاء لأي تقليد علمي سابق.
هنا تبدو الغاية مرسومة سلفاً: كسر التقاليد المعوقة وبأنّه لا وجود لتعريف ومبدأ نهائي يؤطّر البحث سوى تتبع هسيس الحقيقة في سائر تقلّباتها وتمظهراتها.
قد يقال لا يوجد عقل موضوعي على هذا الأساس، ولكن هذا يؤكد وجود عقل موضوعي لدى كل ثقافة حسب اعتباراتها الخاصة، وتبقى فكرة العقل الموضوعي مقبولة لدى كل ثقافة: أعني هنا المقبولية، أي القبول بمعطى معين.
يقر فيرآبند بأنه يدرك مسبقاً بأنّ العلم الغربي قد أصاب العالم بمرض معد وفتّاك، وبأنّ عدداً كبيراً من الناس يعدون منتجاته الثقافية والمادية كمسلّمات، لكن فيرآبند يطرح سؤالين: هل كل مرحلة من مراحل التطور هي مبررة بحقائق موصولة بمبادئ العقلانية الغربية.. وهل تحسنت حياة من أصابتهم العدوى؟
والجواب في نظر فيرآبند هو: لا، ذلك لأن الحضارة الغربية إما أنها فرضت بالقوة وليس عبر تسلسل استدلالي قادر على البرهنة على صدقها.. وإما تمّ التسليم والإذعان لها لأنها ابتكرت أفضل الأسلحة، وبأنّ هذا التطور أنتج مآسي ضخمة على الرغم من أنه استطاع أن يأتي بأشياء جيدة. بل في نظر فيرآبند لم يكتف هذا التطور بتحطيم القيم الروحية التي أعطت معنى لحياة الإنسان بل قوض حتى فعل إتقان المسارات المادية من دون تعويضها بمناهج للكفاءة المماثلة، على عكس القبائل البدائية التي كانت تعرف كيف تدبر الكوارث والأوبئة وتملك نظاماً منيعاً ضد أي شكل من العدوان على الجسم الاجتماعي عبر التدبير الأمثل للبيئة حيث كانوا على تمام المعرفة بخصائص النبات والحيوان والتقلبات البيئية، التي نحن بالكاد بدأنا نتحسس خطورتها واكتشافها.
ويُحيلنا فيرآبند في ذلك إلى ليفي شتراوس والفكر الوحشي، وأبحاث فيما بعد ذلك أكثر تفصيلاً، وهي المعرفة التي تم تعطيلها بشكل قاس، والتي إلى حدّ ما تمّ تقويضها من قبل عصابات الاستعمار من جهة، ومن قبل المساعدات الإنسانية للتنمية من ناحية أخرى.
كما يُحيلنا فيرآبند إلى الباحث الإيراني مجيد رحينما الذي قارن آثار المساعدات على التنمية بآثار مرض فقدان المناعة الذي يدمّر جهاز الممانعة للجسم البشري (مسودة غير منشورة، في جامعة ستانفورد الأمريكية في عام 1984 تحت عنوان «من المساعدات إلى الإيدز»).
يلاحظ فيرآبند على كارل بوبر ونظرائه كيف بالغوا في تبجيل رموز الحضارة الغربية من دون أن يشيروا إلى شيء من جرائمها، وقد عزا ذلك إلى جهل كثير من المثقفين الغربيين ببعض نجاحات الحياة خارج الحضارة الغربية، بل يقيمون تمييزاً بين العلوم الأساسية وتطبيقاتها ويحملون الخراب للعلماء التطبيقيين، بينما يبرؤون المنظرين الذين يراهم فيرآبند غير بريئين أيضاً.
في نهاية المطاف، سندرك أنّ ما يسمّى حوار الحضارات شيء مستبعد في ظلّ الصمم الذي تعانيه إيديولوجيا المركزية-الغربية، لأننا لا نرى سوى الوجه الجميل لهذه الحضارة ولا نكاد ندرك مخاطرها على صعيد البيئة والقيم الجماعية والإبداع والخيال وهلم جرّا.
بقدر ما يستطيع المثقف الغربي المتحرر أن يوجه نقداً للوجه الآخر لحضارة تهيمن عليها نزعات التدمير يمكن للمثقف العالمثالثي أن يقوم بذلك على وجه أكثر فعالية، لأنه العالم الذي تنعكس عليه كل الآثار السلبية لفعل الهيمنة الإمبريالية، غير أنّ نقد الإمبريالية يجب أن يحذر من انزلاقات الميول العدمية والظلامية من أجل تعزيز الإمكانات المتجددة في قلب الحداثة نفسها، تلك الإمكانات التي تستهدف بل تُسحق يومياً من خلال إمبريالية تبدو حساباتها دائماً مرحلية ولكنها في كل نمط تستعمل إمكاناته في تأمين السيطرة.
مازالت علاقتنا بالغرب محكومة بالمرض والعدوى سواء أذعنّا للمركزية الغربية أم ناهضناها فإننا لا نفعل سوى أن نسلّم لها بفعل العدوى أو نناهضها في موقف متشنّج، ففي كل الحالات، إن مرور أكثر من أربعة قرون من تاريخ الحضارة الغربية كفيل بأن يجعل الموقف يتجاوز الآثار المرضية للعدوى ومباشرة الانخراط والتفاعل الحضاريين بفعالية سويّة وتلقٍ ذكيّ ومشروع مفتوح على الإمكان.

*كاتب من المغرب

طباعة
عدد القراءات: 5