غمرت الفرحة قلب كل عربي شريف وهو يتابع تقدم الجيش العربي السوري في الريف الجنوبي لإدلب، وإسقاطه معاقل الإرهابيين الواحد تلو الآخر، تحلقنا حول شاشات التلفزة أو خرائط «غوغل» نتابع التقدم العسكري السوري، ونطرح سيناريوهات وخططاً، حتى كاد بعضنا يتمنى أن يهمس بخطته في أذن أحد القادة الميدانيين، لم نفعل ذلك لاعتقادنا «بأننا أقدر» ممن يخوضون المعركة، وينتصرون فيها، ولكن لأننا تمنينا أن نكون معهم في الميدان، ننتقل من خندق إلى خندق ومن نصر إلى نصر.
بدخول الجيش العربي السوري بلدة خان شيخون، كان للنصر طعم إضافي، لا يقل عن أهمية موقعها ودحر قوى الإرهاب فيها، لكن ذاكرتنا ما زالت تحمل ذكرى مؤامرة «الكيماوي» التي حاكها تحالف العدوان، واستغلها ذريعة لشن عدوان ثلاثي أميركي- بريطاني- فرنسي على مطار سورية.
لكن المعركة لم تنتهِ بعد. فالهدف المعلن للجيش العربي السوري هو فتح طريق دمشق- حلب الدولي، فهل ستكون المراحل القادمة من المعركة بسهولة وسرعة هذه المرحلة؟
لعل الحرب على سورية أكثر حرب في التاريخ تثبت صحة مقولة «كذب المحللون ولو صدقوا» إذ إن سير الأحداث أطاح بهذه المقولة من أساسها، فالخلاف على «المنطقة الآمنة» ظهر بعد أيام من بداية معركة إدلب، فقد وصلت التقديرات العسكرية الأميركية إلى قناعة مفادها أن الجيش العربي السوري سيحرر خان شيحون ومحيطها خلال أيام، وهذا يعني انتهاء ما يُسمى «جيش العزة» المدعوم أميركياً، على الأرض، لذلك كان على الولايات المتحدة تعزيز تحالفها مع ميليشيا «قسد» الانفصالية التي أصبحت الورقة الوحيدة المتبقية في يد حلف العدوان، ولتعزيز هذا التحالف مع «قسد» كان لابد من تعديل اتفاق «المنطقة الآمنة».
ثلاث علامات تُظهر أن الموقف التركي وصل مرحلة اليأس، أبرزها الدفع برتل عسكري في مرحلة متأخرة من المعركة، مع الإدراك الكامل بأنه لن يقدر على تغيير سير المعارك، وتعرُّض الرتل للقصف، ما أجبره على التوقف في محيط معرة النعمان، أما النقطة الأبرز الثانية، فهي حملة الاعتقالات التي قامت بها الشرطة التركية ضد من سمتهم مناصري حزب العمال الكردستاني، وإقالة ثلاثة من رؤساء البلديات، ما يعني استفزاز الأكراد، وهو أمر لم تكن تركيا لتلجأ إليه لو حصلت على ما تريد.
إذاً، تركيا تدفع الأمور نحو التأزم لتحقيق هدفين؛ الأول «إبطاء» تقدم الجيش العربي السوري أو «إيقافه»، لمنح الإرهابيين فرصة لإعادة تنظيم أنفسهم واستقدام بعض الدعم اللوجستي، الهدف الثاني هو وضع المزيد من الضغط على كل من روسيا والولايات المتحدة، لمنح أردوغان شروطاً أفضل في اتفاق «المنطقة الآمنة» لإدراكه أن كلتا القوتين لا ترغبان في مواجهة برية سورية– تركية، يمكن أن تقود إلى مواجهة تركية– روسية، أو أطلسية– روسية.
مشكلة الحسابات التركية السياسية أنها انتهت دائماً بالفشل، ولم يخرج أردوغان من الحرب التي سعى لشنها سوى بالخسارة، داخلياً وخارجياً.
في لقاء جمعني بأحد الدبلوماسيين البريطانيين السابقين إبان احتلال العراق، سألته عن تعليله لارتفاع عدد العمليات ضد الأميركيين، مقارنة بما حدث مع البريطانيين في جنوب العراق، فأجابني يومها بأن السياسة الأميركية الخارجية تتميز بـ«التعالي» على الواقع، لذلك تصل دائماً إلى النتائج الخاطئة وتتعرض لخسائر كبيرة كما حدث في خليج الخنازير وفييتنام وأفغانستان والعراق، وأنهى تعليقه ضاحكاً «إنهم يخوضون الحرب ببقايا حروب الهنود الحمر، ويستلهمون الحلم الأميركي».
سياسة أردوغان الخارجية تستلهم «الحلم العثماني» وهذا الحلم لا يُعاكس منطق التاريخ فحسب، ولكنه يعاكس، أيضاً، منطق السياسة والاقتصاد في عالم اليوم، وخاصة في معسكر حلفائه؛ المعسكر الرأسمالي، إذا أضفنا لكل هذا ما تحمله الذاكرة الجمعية العربية من مرارة مرتبطة بأيام الحكم العثماني، فإن فشل سياسات أردوغان سيكون أكثر شيء منطقي في هذه الحرب.
لكن الفشل يعني خسارة أردوغان وحزبه داخل تركيا، فقد بنى «أمجاده» الموهومة على المزج بين الحلم القومي التركي الذي حمله كمال أتاتورك، و«الأمجاد» العثمانية التوسعية التي يطرب لها البسطاء، فالحرب أصبحت بالنسبة له حرب حياة أو موت، لذلك علينا أن نتوقع ازدياد ضراوة المعارك انطلاقاً من خان شيخون وحتى سراقب.
لا نشك لحظة في أن النصر سيكون حليف سورية، لكن قسوة المعركة تفرض علينا، إضافة إلى الإيمان بحتمية النصر، تمتين الجبهة الداخلية لحلف المقاومة، والعمل على زيادة الالتفاف الشعبي حول محور المقاومة داخل الوطن العربي، وهذا يتطلب من النخب السياسية والثقافية، الحرة والجذرية، بذل المزيد من الجهد والعمل التعبوي كلٌ في بلده، لنكون الظهير الشعبي لأبطال الجيش العربي السوري.

*كاتب من الأردن

طباعة
عدد القراءات: 5