منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام وفي أعقاب معركة حلب الفاصلة طرحت السؤال نفسه، واليوم ومع دخول الجيش العربي السوري معركته الأخيرة والحاسمة مع الإرهاب وداعميه في إدلب أعيد طرح السؤال نفسه، للتأكيد على وجهة نظرنا الصائبة من ناحية وتنوير الرأي العام العربي بحقيقة الرهانات التي جعلت سورية تنتصر في هذه الحرب الكونية التي تعرضت لها من ناحية أخرى.
فعندما انطلقت موجة «الربيع العربي» المزعوم في نهاية عام 2010 وبداية عام 2011 كان العدو الأمريكي– الصهيوني جاهزاً لدخول المرحلة الحاسمة في مشروعه التقسيمي والتفتيتي المعروف بـ«الشرق الأوسط الجديد» الذي سار فيه بخطوات متأنية منذ مطلع السبعينيات فبدأ بجر رجل الرئيس المصري أنور السادات بعيداً عن المشروع القومي العربي الذي يشكل عقبة في طريق مشروع التقسيم والتفتيت، ونجحت الخطوة الأولى في فصل مصر عن مشروع الوحدة والدخول في اتفاقية سلام مزعوم مع العدو الصهيوني إلى جانب التبعية للعدو الأمريكي بإقناع الرئيس السادات أن 99 % من أوراق اللعبة في يد الأمريكان.
ومع مطلع الثمانينيات، بدأت خطوة جديدة بجر رجل الرئيس العراقي صدام حسين لحرب السنوات الثماني مع إيران في محاولة لاستنزاف قدرات الجيش العراقي وإضعاف قوة عربية أخرى وفصلها عن المشروع القومي العربي، وفور انتهاء الحرب المهلكة مع إيران وقبل أن يلتقط العراق أنفاسه وكذلك لإضعاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوقت ذاته، وتم إغراقه في معضلة جديدة وهي غزو الكويت والتي تعد الخطوة الأوسع لمشروع التقسيم والتفتيت الذي على إثره دخل البلطجي الأمريكي بقواعده العسكرية ليستقر في المنطقة سنوات طويلة، وتمكن مع مطلع الألفية الثالثة من غزو العراق والقضاء على جيشه الوطني وتحطيم قدراته العسكرية المتطورة ونهب ثروات دولة عربية كبيرة كان يمكن أن تشكل حجر زاوية في مواجهة المشروع الأمريكي– الصهيوني.
ومع انطلاق «الربيع العربي» المزعوم الذي يشكل خطوة متطورة في «مشروع الشرق الأوسط» الجديد كان الأمريكيون والصهاينة قد قاموا باعتماد أدوات جديدة للتقسيم والتفتيت في إطار ما أطلق عليه الجيل الرابع للحروب، فلن يكون هناك تدخل عسكري مباشر كما حدث في العراق إلا في أضيق الحدود وسوف تنحصر في الضربات الجوية من دون التدخل البري على الأرض العربية، وهو ما تم بنجاح في ليبيا.
ومع عدم تمكن محور العدوان من التدخل العسكري المباشر ضد سورية، كان البديل هو الاعتماد على الجماعات التكفيرية الإرهابية المسلحة، وحاول الأمريكيون والصهاينة غسل أدمغة الرأي العام العربي والعالمي عبر الآلة الإعلامية الجهنمية الجبارة بأن هذه الجماعات تشكل المعارضة داخل المجتمعات العربية.
وبالفعل، حقق مشروع «الشرق الأوسط الجديد» تحت مظلة «الربيع العربي» المزعوم نجاحات في بعض الأقطار العربية عبر السنوات التسع الماضية، فشاهدنا نجاحاً للمشروع في ليبيا واليمن ونجاحاً جزئياً في تونس ومرحلياً في مصر، لكن بقي الصمود السوري هو اللغز الذي يحتاج تفسيراً، ففي الوقت الذي راهن الأمريكيون والصهاينة وحلفاؤهم داخل المنطقة وخارجها على ذلك ضد سورية سواء من خلال الضغط عبر الآلة الإعلامية.. أو إثارة النزاعات الطائفية والعرقية والمذهبية.. أو حشد وإرسال العناصر التكفيرية الإرهابية المسلحة عبر الحدود لخوض حروب شوارع إذ كانوا يعتقدون أن الجيوش النظامية لا تجيدها.. أو عبر المنظمات الدولية وجرها إلى إصدار القرارات والبيانات التي تدعم مشروعهم العدواني على سورية، لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، ما يطرح السؤال مجدداً: على ماذا راهنت سورية؟!
وهنا تأتي الإجابة القاطعة بأن سورية بقيادة الرئيس الأسد راهنت على عدة رهانات في مواجهة الأمريكيين والصهاينة ومشروعهم التقسيمي والتفتيتي المعروف بـ«الشرق الأوسط الجديد» وهي الرهانات التي جعلتها تصمد وتنتصر، ويأتي الرهان الأول في تمسك الرئيس الأسد بالمشروع القومي العروبي المقاوم في وجه الغطرسة الأمريكية والصهيونية، فقد قرر السير على خطا القائد المؤسس حافظ الأسد، وتطوير مشروعه التنموي المستقل والذي حقق قدراً كبيراً من الاكتفاء الذاتي، وعند بدء الحرب الإرهابية على سورية كانت سورية هي الدولة العربية الوحيدة التي يأكل شعبها مما يزرع ويلبس مما يصنع، ولا توجد عليه ديون خارجية خاصة للغرب الرأسمالي.
والرهان الثاني، كان ثقة الرئيس الأسد بشعبه وقدرة هذا الشعب على الصمود في وجه المؤامرة الخارجية ومواجهة الآلة الإعلامية التي تحاول إثارة الفتنة الطائفية بمزيد من التماسك واللحمة الداخلية والانخراط في الدفاع عن الوطن عبر الأدوات الإعلامية الجديدة المتمثلة في مواقع التواصل الاجتماعي، فتكونت جيوش إلكترونية وطنية في مواجهة الجيوش المعادية تمكنت مع الإعلام الوطني التقليدي من إجهاض مشروع التقسيم والتفتيت.
ورهانه الثالث تمثل في قدرة جيشه على خوض معركة تبدو أول وهلة خاسرة بين جيش نظامي وجماعات إرهابية مسلحة ومدربة على حروب الشوارع يتم إمدادها بأحدث التقنيات والمعدات العسكرية، لكن سير المعارك منذ بدء الحرب الإرهابية على سورية يؤكد أن الجيش العربي السوري نجح فيما عجز عنه الجيش الأمريكي ذاته وحرب فييتنام وبعدها أفغانستان ثم العراق خير شاهد وخير دليل، فأذهلت انتصارات الجيش العربي السوري العالم أجمع، لذلك شاهدنا خلال هذا الأسبوع العدوان الصهيوني على محيط دمشق في محاولة متجددة للتشويش على هذه الانتصارات المدوية للجيش العربي السوري وسيطرته الكاملة على خان شيخون في طريقه لتحرير إدلب.
أما رهانه الرابع فقد تمثل في قدرة الرئيس الأسد على إقامة تحالفات دولية وإقليمية قوية قائمة في الأساس على المصالح المشتركة من دون خضوع أو تفريط بالسيادة الوطنية ومن دون المساس بالقدرة على اتخاذ القرار بعيداً عن أي ضغوط، ما يعني قدرة فائقة على إدارة المعركة سياسياً، لذلك تمكنت الدبلوماسية العربية السورية من هزيمة المشروع الأمريكي – الصهيوني في كل الجولات عبر المنظمات الدولية سواء بوساطة الدبلوماسيين السوريين بشكل مباشر أو عبر الحلفاء ولاسيما الروسي الذي استخدم الـ«فيتو» في مجلس الأمن عدة مرات.
هذه بعض رهانات الرئيس بشار الأسد التي أجهضت مشروع التقسيم والتفتيت على الأرض العربية السورية، وهي أيضاً الضمانة للحفاظ على شرف وكرامة الأمة العربية كلها.. اللهم بلغت اللهم فاشهد.

*كاتب من مصر

طباعة
عدد القراءات: 6