يعزز النظام التركي بزعامة رجب أردوغان تدخلاته السافرة في ليبيا التي يرى فيها فضاء جيو سياسياً مهماً لتعزيز تمدد تيار «الإخوان المسلمين» المدعوم من تركيا, مستغلاً بذلك حالة الانقسام السياسي والصراعات المتناثرة في معظم المناطق الليبية, وقد أخذ التدخل التركي في ليبيا بالآونة الأخيرة منحى عسكرياً ملحوظاً يُنذر بمخاطر تهدد الأمن الإقليمي للمنطقة، وتكمن تلك المخاطر في نقل تركيا مستوى الأزمة الليبية من صراع بين مكونات ليبية إلى نزاع إقليمي، بعد تورطها في تزويد حكومة الوفاق بقيادة فائز السراج بمختلف صنوف الأسلحة رغم القرار الدولي بحظر السلاح عن ليبيا.
وفي تطور سلط الضوء على رغبة جامحة لإيجاد موطئ قدم في ليبيا يعزز التغلغل التركي في إفريقيا, لم يجد أردوغان حرجاً بالتعهد علناً بدعم حكومة الوفاق في مواجهة عملية الجيش الوطني الليبي في طرابلس, وقد تجاوز تعهد أردوغان نطاق الدعم السياسي والإعلامي إلى التورط العسكري المباشر من خلال ضبط العديد من شحنات الأسلحة التركية خلال السنوات الماضية والتي كانت في طريقها إلى التنظيمات الإرهابية منها أذرع جماعة «الإخوان المسلمين».
وعليه لم يعد لنظام أردوغان ما يخفيه بعد أن أصبح معلوماً للجميع أن الوجود التركي في ليبيا يوفر غطاء للجماعات الإرهابية في غرب ليبيا ويسمح لها بتعزيز سلطة ونفوذ جماعة «الإخوان» التي تقول حكومة الوفاق: (إنها جزء من المشهد السياسي ولا يمكن إقصاؤها).
الرهان التركي على «الإخوان المسلمين» في ليبيا لا يتوقف عند محاولة التطلع لاستعادة مكانة سياسية أو فكرية بالاشتراك مع «الإخوان», بل يتعداه ليكون رهاناً على المعطى الاقتصادي أيضاً، إذ بدأت تركيا بالتغلغل في النشاطات الاقتصادية لعدد من المؤسسات الليبية في وقت توقفت مشاريع بمليارات الدولارات منذ عام 2011, إذ أشارت استثمارات تركيا وتسليحها «للإخوان» إلى أنها غير مستعدة للتخلي عن تدخلها في ليبيا.
ناهيك عن أن أردوغان يضع نصب عينيه الثروات الضخمة من النفط والغاز في البحر الأبيض المتوسط، ويعمل في ليبيا على ضمان حصة منها بدعم من «الإخوان»، ولكنه أيضاً يفكر في تطويق مصر من جهة وقبرص من جهة ثانية، كما تهدف إلى نسف الاتفاقيات الدولية المبرمة بين مصر واليونان على ترسيم الحدود البحرية، واعترافها المتبادل فيما بينها بمناطقها الاقتصادية الخالصة، والتي تُشير المؤشرات بعد الاكتشافات الضخمة في مصر وقبرص إلى احتوائها على كميات هائلة من الغاز.
وعليه, لم يكن مستغرباً أن يعمل أردوغان الذي وجد نفسه محروماً من كعكة الغاز في البحر الأبيض المتوسط على تخريب الوضع القائم جيوسياسياً بالتنقيب عن الغاز في عرض سواحل قبرص.
إذاً, التدخل التركي في الشأن الليبي مسألة معلنة على لسان أردوغان ومثبتة بالدلائل وليست موضع تكهنات أو محط شبهات, فالوقائع على الأرض تشير إلى أن الأجندة التركية في ليبيا تستهدف أساساً تعزيز نفوذ جماعة «الإخوان» وتثبيت أقدامها غرب ليبيا, ناهيك عن حرص أردوغان على ضمان موطئ قدم له جنوب المتوسط في إطار ضمان أوسع مناطق نفوذ ممكنة «للسلطنة العثمانية» التي لا تزال تداعب أحلام أردوغان المهووس بالسلطة والدماء.

طباعة

عدد القراءات: 1