قديمةٌ جداً عبارة «ما قلَّ ودل»؛ قديمةٌ لدرجة نسي الجميعُ الذين يرددونها اليوم بلا هوادة، من كان قائلها، أو من أوصى بذلك الإيجاز الذي أمسى في مختلف أنواع القول علامة الإبداع والبلاغة..
إذاً.. الإيجاز في القول الذي على الأغلب يطلق عليه النقاد «التكثيف» نصيحة بلاغية قديمة، تجعل من النص قدّاً رشيقاً لا ترهل في تفاصيله، حيث ينتهي النص عند نقطة السطر الأخيرة من دون الحاجة إلى شرح وتبيان، وهو ما أطلق عليه في الشعر العربي «بيت القصيد»، إذا كانت المطولات الشعرية، وبرغم كثرة أبيات القصيدة تتوسل في النهاية استخلاص زبدة الكلام.
غير أنه في تلك الأزمنة كان ثمة الكثير من الوقت، سواء لدى الشاعر أو السامع – لأن من كان يقرأ؛ كان من الندرة بمكان – ليستمتعا بالمطولات وصولاً لبيت القصيد.. رغم أن الأزمنة التي أتت بعد ذلك عرفت الكثير من النصوص التي قالت بيت القصيد دفعةً واحدة.
غير أن الزمن اليوم أمسى من أهم ميزات قوله الإبداعي هو النص الوجيز، وعلى عكس كاتب ومتلقي الأزمنة البعيدة، فإنّ كاتب ومتلقي اليوم ليس لديهما «النَّفَس ولا النَّفِس» لأن يستمعا أو يكتبا المطولات حتى يصلا بيت القصيد, لقد انتهى زمن الملاحم وروايات الأجزاء والقصائد الطويلة، إنه زمن النصوص القصيرة، أو زمن الأدب الوجيز.
غير أن الإشكالية أن ثمة من يُنظّر اليوم لعدّ «الأدب الوجيز» جنساً أدبيّاً مستقلاً، في مسعاهم لتأصيل نوع كهذا، بدأت المبادرة من بيروت، وأقيمت لها الملتقيات والندوات في أكثر من عاصمةٍ عربية، ما أثار الكثير من السجال ولاسيما في ملتقى دمشق للأدب الوجيز.. واختلافنا مع الأصدقاء اللبنانيين؛ كان في وجهة نظرنا التي تقول: إنّ الأدب الوجيز لا يعدو أن يكون إطاراً يضم العديد من الأشكال والأنواع الأدبية: القصيدة الومضة، الشذرات، القصة القصيرة جداً، وحتى الهايكو الذي تتوسع دائرة كتّابه اليوم.
صحيح أن ثمة الكثير من الملامح المشتركة بين كل تلك الأنواع الأدبية السابقة كالشعرية العالية مثلاً، أو المشهدية، وحتى الكثير من «الحكائية» والإخبار في تفاصيل النص، غير أن ثمة ملامح تكون أكثر من غيرها في النوع الذي من خلالها يُمكن تمييزه عن النوع الآخر، فالحكائية تبدو شرطاً في نص القصة القصيرة جداً لتبقى ضمن نوع القصة، والمشهدية شرط نص الهايكو حيث النص الذي يأتي من تأثير مشهد خارجي.. أما أن نجمع كل ذلك في نوع واحد؛ فأظنه من الصعوبة بمكان، وإن كان النص مما سبق قد يقدم كل تلك الملامح.

طباعة

عدد القراءات: 48