شرعية النص النثري وانتسابه للشعر لا تزال موضع أخذ ورد بين من يرفعه إلى أعلى مراتب الفنون التعبيرية وبين من يرى أنه لا يحمل أي صفة من صفات الشعر وقواعده.

ويقدم شعراء النثر البراهين والأدلة التي لا يريدون من خلالها إثبات شرعية قصيدتهم فحسب بل بأنها تمثل أيضاً الشكل الحقيقي للشعر وأنها تطور لازم يواكب العصر.

الشاعر أحمد ونوس يرى أن قصيدة النثر ضرورة حتمية لأنها تلائم هذا العصر المتسم بالسرعة بسبب طغيان التكنولوجيا التي حولت العلاقات الاجتماعية إلى مجرد اختصارات والشعر بدوره ساير هذه التطورات لأنه الشكل الأعلى والأجمل للخطاب الإنساني.

وحول تغييب قصيدة النثر لعنصر الموسيقا الذي اتسم به الشعر العربي عبر العصور يشير ونوس إلى أن المفردة والحرف بما فيهما من رنين ورجع يشكلان معاً امتزاجاً صوتياً يعوض عن موسيقا التفعيلة، معتبراً أن التطور سيجعل باستطاعة البشر في مقبل الأيام التفاهم بعدد بسيط من الكلمات والتخلص من سيطرة النص، حيث ستقوم القصيدة برأيه بدور محطة العبور بين هيمنة النص على النتاج الأدبي للإنسان في الماضي وبين توجه البشر لاستخدام أقل عدد من الكلمات للتخاطب بينهم.

الشاعر أوس أسعد يرى من جانبه أن الحياة عموماً يطغى عليها النثر ابتداء من الحكايات الشفوية مروراً بالفلسفة والنصوص العلمية والتاريخ و ولوجاً إلى الأسطورة والملحمة وانتهاء بالمسرح والدراما والسينما وغيرها.

وتتولد الشعرية في قصيدة النثر حسب اسعد من انزياح الكلمات وانحرافها عن المألوف وتبادل الحواس عبر زج كلماتها في سياق مختلف صادم لم تألفه الذائقة التقليدية وهذا جوهر الشعر الذي يبدأ بمقدرته على خلق شرارة المفارقة عبر خلخلته المدروسة لسياق الكلمات لإحداث الدهشة المغايرة في آلية التلقي لصالح الحالة الشعرية.

وحول الموسيقا في قصيدة النثر يبين أسعد أن الموسيقا الخارجية الإيقاعية في الشعر حسب التوصيف المعياري القديم الذي تنتجه القافية والوزن والرنين الصوتي لبعض حروف اللغة العربية من تكرار بعض الكلمات تبدلت جذرياً في زمننا، مشيراً إلى أن الأقدمين أخرجوا بعض النصوص النثرية من الشعر رغم تمتعها بمزايا إيقاعية وبلاغية جيدة.

ويقدم الشاعر بشير دحدوح رأياً مماثلا ًمفاده أن الموسيقا وحدها ليست ما يميز اللغة الشعرية بل هناك المجاز اللغوي والصورة وانزياحاتها والأخيلة والعلاقات المبتكرة بين الألفاظ والبعد عن المألوف لتغدو قصيدة النثر برأيه هي المطلوبة إبداعيا أكثر لأنها تتمتع بالاستحالة أكثر من غيرها.

ويبرهن دحدوح على صحة ما ذهب إليه بأن الشعر هو اللغة في ذاتها والموسيقا المقصود بها الوزن الخارجي من بحور الخليل والتفعيلة التي انبثقت منها لا يمكن ان تكون من أسس القصيدة، بل إنه يجدها في الموسيقا الداخلية للغة أي موسيقا الأحرف ليصل إلى نتيجة أن قصيدة النثر هي الشعر الحقيقي الذي ينتزع صفة الشعر بحق من غيره من الأنواع الأخرى.

طباعة

عدد القراءات: 5