لست في وارد الحديث والإسهاب عن مصطلح وماهية وإشكالية الديمقراطية.. كمصطلح، وإنما سوف أقف قليلاً عند كذبة الديمقراطية بنسختها الغربية وبجناحيها الأمريكي والأوروبي، وهي أشبه بمن يدس السم في الدسم، هكذا أرادها الغرب وروّجت لها الماكينة الإعلامية بخبث ودهاء، ورددها بعض أنصاف مثقفينا بسذاجة، وبكلمات حق يُراد بها باطل، كـ«سيادة الشعوب على ثرواتهم واستثمارها وطنياً وسيادياً، وحكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه».. بهذه الشعارات البراقة تدّخلت وتتدخل اليوم واشنطن وشقيقاتها الأوروبيات في شؤون دول وشعوب أخرى ليس حباً بها ولا نصرة لحقوقها، وإنما لتحقيق مصالحها عبر شمّاعة الديمقراطية، فغيّرت أنظمة ديمقراطية منتخبة من شعوبها، ونصّبت أزلامها وشجّعت ودعمت وتبنّت عناصر أقل ما يُقال عنها خارجة على القانون.. واحتلت مناطق ووضعت يدها على منابع النفط والغاز واليورانيوم، وتموضعت في المضائق والممرات البحرية الحيوية، ونشرت محارسها الثابتة والطيارة في أعالي البحار، ليس لضمان وصون حقوق الآخرين، وإنما لبخسها، فانتهكت القانون الدولي وأحدثت سجوناً طيارة غير قانونية في عمق الجزر وفي عواصم أخرى تدّعي الديمقراطية، أو في قواعد أمريكية (1000 قاعدة بين مركزية وفرعية موزعة على زهاء 500 بلد ينفق عليها مئات المليارات).
إذاً، بشمّاعة ومصطلحات الديمقراطية والعولمة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، والقرية الكونية، وحرية السوق، يُعاد تغيير وجه الاستعمار القديم، ولكن بأدوات جديدة للسيطرة على مناطق استراتيجية لتحقيق مصالحها ليس إلا.
ولكن رغم دهاء وخبث صانع القرار الغربي انقلب السحر على الساحر، واللعبة التي لعبتها الماكينة الغربية بجناحيها الأمريكي والأوروبي ضد الشعوب الفقيرة والمتوسطة أصبحت ميداناً وملعباً خصباً لها بعد أن غيّرت التكنولوجيا قواعد اللعبة، وبات كل مواطن غربي حزباً مستقلاً في ذاته ورئيس تحرير صحيفته الخاصة عبر شاشة «موبايله» الذكي يغرّد وينشر، ويحلل، ويركّب على هواه، ينفث الشائعات يميناً ويساراً.. ما ساعد على انتشار الشعبوية والعنصرية والقومية المتطرفة، واشتد عود المتدينين المتشددين، ولاسيما بعد تنصيب دونالد ترامب ورئيس وزراء هنغاريا فيتكور أوربن ورئيس وزراء الفيلبين رودريغو دوتيرتي ورئيس وزراء بولندا ماتيوس مورافيتسكي ورئيس البرازيل جايير بولسونارو وليس آخرهم رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون.. والقادم أعظم.

طباعة

عدد القراءات: 2