غريبٌ أمرك أيها المواطن؛ كيف ما زلت حتى الآن تشكو القِلَّة وكل ما حولك يتكاثر كالقنبلة الانشطارية؟! انظر أولاً إلى نفسك وأنت تعمل عملين أو ثلاثة في اليوم الواحد، أتحدَّاك إن كنت تحصل على ثلث فرص العمل هذه ما قبل الحرب، لكن على ما يبدو أنك اعتدت «السَّقّ» و«النَّقّ». ثم فكِّر بالطيف الواسع لعروض شركات الاتصال، فإن كنت أنا العبد الفقير لله، أتلقَّى في اليوم الواحد ما يزيد على العشر رسائل، فكيف هو وضعك وأنت تملك بدل الخط خطّين، وبدل الموبايل اثنين، واحداً للاتصال والثاني للإنترنت، إلى جانب «تاب» للاستخدامات الخاصة، وفوق كل ذلك ما على لسانك سوى الحديث عن سوء حظِّك وانعدام وقتك في التواصل مع أصدقائك وأقربائك. بالمناسبة، اجلس بينك وبين نفسك، واحسبها على مهلك: من كم جنسية بات لديك معارف؟ وستجد أنك سبقت «فيلياس فوج» في اكتساب صداقات بعد رحلته حول العالم بثمانين يوماً.
دعنا من ذلك يا محب الفنون والفنانين، راقب كم نجم في تترات المسلسلات ما عاد مُصدِّقاً نفسه، وكم عدد ضيوف الشرف الذين شارفوا على الوصول إلى عدد المشاهدين أنفسهم، وفي الغناء بات لكل مواطن مثلك ثلاثة أو أربعة مغنين على أقل تقدير، أما الشعراء فأصبحوا أكثر من الهمّ على القلب، وكأننا في مفرخة كونية لهم وقَّعت اتفاقية حصرية مع «وادي عبقر»، ومع قرائنه منتهية الصلاحية تحديداً، كل ذلك وما زلت تشعر بالقلّة!
ثم إن أردت أن تعرف قيمتك الحقيقية، فانظر إلى كثرة أعدائك والمُتربِّصين بك وخصومك، فهذا دليل على صوابية خُطاك، وهل نسيت الآلاف المؤلَّفة من المحللين الاستراتيجيين الذين يعملون مئة وثمانين تحليلاً في «التنكة» عنك وعن خصالك الحميدة. اعرف نفسك يا أخي وكفاك تبخيساً لها، وامشِ ملكاً، لكن أرجوك انتبه إلى الستة والثمانين مطباً في طريقك، فهي تكاثرت أيضاً من أجلك، وما زالت صامدة، كن مثلها على الأقل، ولا تشغل بالك بالفاسدين الذين يأكلون البصلة وقشرتها، فرائحة أنفاسهم لن تكفيها خمسون علكة من أقوى النكهات، بل فكِّر بأن تكاثرهم يزيد من فرادتك، أنت المواطن الفريد، والقادر على تحمل كل هذه الولادات اللانهائية والفائضة.

طباعة

عدد القراءات: 7