برحيل المخرج حسين كمال فقدت السينما المصرية والعربية واحداً من المخرجين القلائل الذين أثروا بشكل أو بآخر في سيرة الفن السينمائي، فقد كانت له بصمة، ويعد حسين كمال واحداً من أهم مخرجي السينما التقليدية، كما أنه مخرج مبدع وموهبة فنية كبيرة قدم سينما جديدة أثارت اهتمام النقاد، سينما هادفة ذات تقنية عالية، واهتم بالأدب العربي عموماً والمصري خصوصاً وحاول تقديمه من خلال أفلامه، لذلك حول عدداً كبيراً من روايات الأدباء إلى أفلام منها، (المستحيل) لمصطفى محمود، كما قدم أكثر من قصة لإحسان عبد القدوس منها (دموعي وابتسامتي) ولا (شيء يهم) و(العذراء والشعر الأبيض) و(أيام في الحلال) و(أبي فوق الشجرة) الذي قام ببطولته نادية لطفي وميرفت أمين وعبد الحليم حافظ، عندما قال لهم حسين كمال (لقد أبدعتم في صنع الأدوار وخلقتم جواً من العواطف أمام الجمهور العربي)، وقدم ليحيى حقي (البوسطجي) ولثروت أباظة (شيء من الخوف) و(السيرة الذاتية)، حسين كمال تبين أن ميوله الفنية بدأت منذ الصغر وقد أثر فيه ذهابه إلى السينما بدرجة كبيرة، وقد حاول دراسة السينما ولأن أهله رفضوا وأجبروه على دراسة التجارة سافر، وبعد حصوله على المؤهل، إلى باريس لتحقيق حلمه وهناك التحق بالمعهد العالي للسينما وبدأ عمله في مصر مخرجاً في التلفزيون حيث عمل مخرجاً لبعض البرامج، ثم أخرج عدداً من التمثيليات ثم فيلم (المنعطف) عن قصة لنجيب محفوظ، ولفتت أعماله أنظار النقاد والمهتمين بإمكاناته وقدراته.
وكان أول فيلم أخرجه حسين كمال فيلم (المستحيل) حيث قدم في هذا الفيلم أسلوباً فنياً جديداً على السينما العربية والمصرية.
فقد كان دقيقاً في كل شيء، في تفاصيل الشخصيات والديكور والإكسسوار، وكان حسين كمال كما يقول في ذلك: (أنه لا يهتم باللقطة قدر اهتمامه بالكادر نفسه)، ثم قدم حسين كمال بعد ذلك فيلم (البوسطجي) ليؤكد من جديد أنه صاحب أسلوب متميز وضعه في مصاف أهم المخرجين المجددين في ذلك الوقت، كما قدم أسلوباً مستحدثاً في السينما العربية في فيلم (شيء من الخوف) المأخوذ عن رواية لـ(ثروت أباظة) حيث لجأ حسين كمال إلى أسلوب الحكايا الشعبية، واستخدام الأغنية للتعليق على الأحداث ما جعل الفيلم مميزاً، وقد مثل هذا الفيلم مع الفيلمين السابقين مجموعة من الأفلام سابقة لعصرها بما قدمته من جديد مختلف عما كانت تقدم للسينما في ذلك الوقت، ثم كانت المفاجأة تقديم حسين كمال فيلم (أبي فوق الشجرة) وهو الفيلم الذي قام ببطولته عبد الحليم حافظ ونادية لطفي وميرفت أمين… عن هذا الفيلم يقول حسين كمال (إن شركة صوت الفن شركة تجارية، أصرَّ أصحابها على ألا أخرج هذا الفيلم، لكن أمام اصرار عبد الحليم حافظ أخفقوا، لذلك كنت مطالباً في هذا الفيلم بمستوى سينمائي وفني وموسيقي معين، فقد كانت السينما الاستعراضية قبل«أبي فوق الشجرة» غنائية بالدرجة الأولى لكن الفيلم الاستعراضي بمعناه العلمي الدقيق الذي يختلط فيه الغناء والاستعراض بحيثيات الواقع الدرامية لم يكن موجوداً، فالأغاني كلها كانت تصور بطريقة واحدة، لم تكن هناك حركة أما في (أبي فوق الشجرة) فالقصة ذاتها عن شاب حزين، ولذلك أردت أن تكون الأغاني فيها جرأة، وقدمت (جانا الهوى) بأسلوب الفيديو كليب ونجحت الأغنيات ونجح الفيلم ليصبح أول فيلم في تاريخ السينما العربية يستمر عرضه 53 أسبوعاً، ويتوقف عن العرض بقرار من مجلس الشعب المصري لأنه عطل دور العرض وظهور بقية الأفلام.
ثم تواصلت أعمال حسين كمال السينمائية فقدم (نحن لا نزرع الشوك) عن قصة للأديب يوسف السباعي، و(إمبراطورية ميم) و(أنف وثلاث عيون) عن قصة لإحسان عبد القدوس، لقد قدم حسين كمال في أفلامه معظم نجوم ونجمات السينما العربية، (شادية ونبيلة عبيد وعبد الحليم، ونادية لطفي وفاتن حمامة ومحمود ياسين وعماد حمدي وميرفت أمين وغيرهم).
لقد كان حسين كمال حريصاً على ألا يقولب نفسه في قالب معين فكان يقول: (أنا لدي إمكانات متعددة، ومن الخطأ أن أحصر نفسي في قالب نجحت فيه، لذلك فإنني بعد أن قدمت في المستحيل ظاهرة اجتماعية، قدمت في أفلام أخرى نماذج يندرج كل منها تحت نوعية مختلفة، وهكذا خطتي أن أقدم أعمالي من دون أن تكون محسوبة في قالب واحد).
لقد كانت عبارة حسين كمال الشهيرة التي يرددها في مصر (مش بطال)، التي ينتهي بها تصوير لقطات أفلامه، تجعل الممثلين دائماً يحاولون تقديم أفضل ما عندهم برغم أن معظم من عمل معه من الفنانين كانوا نجوماً يشار إليهم بالبنان، ولكنها الموهبة التي جعلت حسين كمال يساهم في تطوير الأغنية السينمائية العربية وتقديمها بشكل مختلف عن الشكل التقليدي الذي ظلت تقدمه أعواماً، والذي تحاول الأغنيات الحديثة تقليده، وكما كان حسين كمال مخرجاً سينمائياً متميزاً فقد كان أيضاً مخرجاً مسرحياً متألقاً، حيث قدم مسرحيات أشهرها (ريا وسكينة) التي حققت نجاحاً كبيراً وقدمت النجمة (شادية) في عمل مسرحي كبير، وكان للأغنية أيضاً كما كان في السينما نصيب كبير من النجاح.

طباعة

عدد القراءات: 2