مازال سؤال «رولان بارت» عن جوهر الفوتوغرافيا طازجاً برغم مرور مئة وواحد وثمانين عاماً على اختراع التصوير الضوئي، إذ إن التطورات التقنية الهائلة التي أصابت هذا الفن، لم تؤثر في ماهيته الأساسية في كون الصورة جليّة وممتدة، ومثقلة كما لو أنها تُشوِّه بشكل هزلي، لا شكل ما تمثِّله، وإنما وجوده نفسه، كما إن النظرة عن أن الصورة هي إلغاء للموضوع أو إمداده في الروح عبر الزمن، ما زالت تثير الكثير من الجدل، ليتعزز السؤال مرة أخرى عن كون الفوتوغرافيا هي غياب الموضوع، أم وجوده بالفعل، وهنا يكمن جنون هذا الفن وحكمته في الوقت ذاته، الجنون المتعلق بتغيير ماهية المُصوَّر وتحويل هيئته وتثبيته في الزمن، والحكمة في جعله أكثر قدرة على الحياة، لدرجة أن تجربة مثل التي رأيتها مؤخراً عن تظهير صورة يعود النيجاتيف الخاص بها إلى خمسينيات القرن المنصرم في تلك الغرفة المظلمة إلا من بعض الضوء الأحمر عند صديقي المخرج «محمد عبد العزيز» كانت كفيلة بإعادة أشخاص إلى الحياة بعد مرور ما يقارب السبعين عاماً على تثبيتهم في إطار، وأعادت من جديد التساؤل عن العلاقة الجديدة مع كاميرات الديجيتال ولُعبة الزمن بين صنفين من التصوير، الأول «الأصيل» الذي استغرق العلماء ما يزيد على الستمئة عام على اكتشاف آلياته المُعقدة، التي تتطلب معرفة بالكيمياء والفيزياء وغيرهما من العلوم، والثاني الحداثوي «الديجيتال» الذي يسمح لك بمعرفة نتائج التقاطتك بلمحة بصر، لدرجة بتنا أكثر إدراكاً لما قاله «بارت» في كتابه «الغرفة المضيئة» من أن الفوتوغرافيا «شكل جديد من الهلوسة، زائفة على مستوى الإدراك، حقيقية على مستوى الزمن».
لكن هل نستطيع القول إن هذه «الجِدّة المؤلمة والمعذبة» بالنسبة للمصورين المحترفين وهواة الصَّنف الأصيل ستزداد مع الزمن، بعد أن انتُهِك الزمن الجميل بين الالتقاطة الحنون وعدم المعرفة الدقيقة بنتيجة التَّظهير، وفقاً للكاميرا وسرعة الإغلاق وحساسية الفيلم وجودة المواد المستخدمة في التحميض، والأهم لثبات يد المُصوِّر وقلبه وعينه، فالفوتوغرافيا كفن ليست مجرد كبسة زر بكاميرا ديجيتال أو ضغطة على شاشة موبايل من النوع الذكي، لأن الذكاء التقني ليس كفيلاً بتحويل كل منتجاته إلى فن، إذ يبقى في الأساس المُصوِّر وروحه المتوثِّبة والعارفة بأساسيات هذا الفن وتكوين لوحته وتوزيع كثافة الضوء على تلك المكوِّنات من الزاوية الأجمل، والعلاقة مع عين المتلقي، برغم أن المجتمعات الحديثة تسعى ما استطاعت لإضفاء الحكمة على الصورة، ومحاولة تلطيف جنون التصوير الذي يتوعد بانفجارات متتالية في وجه مستخدمي الكاميرات الحديثة، إما عبر مزاحمة الفنون الأخرى، بجعل المصور الضوئي فناناً تخضع لوحته لبلاغة اللوحة الزيتية مثلاً، وثانياً من خلال تعميمها وجعلها مألوفة، بحيث لا تشاركها أي صورة أخرى خصوصيتها وفرادتها، في هذه الحالة تصبح فتنة اللوحة الفوتوغرافية طاغية، وتزداد المتعة في تلقيها باعتبارها لوحة، وليست مجرد وهم لذيذ في تثبيت الزمن، أنتج صوراً معممة أدت إلى عالم بلا تمايزات لدرجة باتت الصُّور ممجوجة ومكرورة وتدعو للغثيان بحكم عشوائيتها، وعدم فنيَّتها المتمناة، فمن المهم حسب «رولان بارت» إعادة «الوجد الفوتوغرافي» إلى أوجه، لأنه بلا ذلك نبقى في إطار التصوير الأشبه بالخربشة من دون دراية بأساسيات الفن التشكيلي.
بعد كل ذلك هل نستطيع القول في الذكرى المئة والواحدة والثمانين على اختراع التصوير الفوتوغرافي إن المصور الضوئي لا يزال قنَّاص اللحظات الهاربة بعد ثورة التكنولوجيا وكاميرات الديجيتال والتصوير من خلال الموبايلات الذكية؟ أم إن الثورة الرقمية أزالت الحصانة عن الفوتوغرافيا باعتبارها فناً فريداً وخاصاً جداً على اعتبار أن «خالتي بتصوِّر كتير منيح» كما يتهكَّم أحد الأصدقاء على فن التصوير الضوئي؟
«الفن تحدٍّ، ومعرفة الفن ميدان لمن يهوى الصعاب، والتصوير فن قائم في حد ذاته لكنّ المخلصين له قلائل» كما يقول المصور الفنان أنطون مزاوي الرافض للتكنولوجيا الحديثة في اشتغالاته الإبداعية، فهي تتيح إمكانية واسعة للاحتيال على المتلقي، المتلقي الذي قد تقتصر علاقته بالتصوير الضوئي على التقاط بعض صور السيلفي أو الوقوف أمام الكاميرا في الاستوديو للحصول على ثماني صور على خلفية بيضاء من أجل المعاملات الرسمية. هنا تأخذ القضية بعداً آخر له علاقة بالقدرة على التَّلذُّذ بالجَمال الكامن داخل إطار الصورة، وتلمُّس قُدرة الضوء والظل في تغيير المعنى التقليدي، حيث لا يُصبح التَّصوير مُجرَّد أسرٍ للموضوع المُصوَّر، بقدر تحريره من كينونته التقليدية، وجعله يأخذ أبعاداً جديدة غير مُتاحة إلا أمام المُبدِع الضوئي، فالعملية ليست تحريضاً كيميائياً فيزيائياً، وإنما هي حضّ الخيال ومُساعدة العين الخبيرة على إيجاد الدلالة من خلال اللقطة التي تختلف اختلافاً كُلياً عن النظر إلى المشهد من خلال ثقب صغير، إذ ينبغي أن نبثّ من خلاله النُّور المُصفّى، حيث يتحوَّل الموضوع إلى ذات أو إلى جزءٍ منها على الأقل، فالعلاقة التفاعلية بين المُصوِّر وطريدته ضرورية، وإلا لن تكتمل الدَّارة البصرية إن صحّ التعبير، وحسب تعبير رولان بارت في كتابه «الغرفة المضيئة»: فإن «الفوتوغرافيا هي انفصال مُراوغ للوعي بالهوية»، هذا الوعي الذي لا يمتلكه إلا القلائل، خاصة أن فن التصوير لم يكن في يوم من الأيام مُقتصراً على «قُمرة» ابن الهيثم مع بعض المواد الكيميائية التي تحوَّلت في زمننا الحالي إلى «كاميرا» قادرة على التقاط آلاف الصور وتظهيرها بدقائق، فالقصة أكبر من ذلك بكثير، ولا تتعلق فقط بالعين وإنما بالإصبع الذي يضغط على الزِّناد، وبالعقل الكامن خلفهما ومدى فهمه لفيزيائيات الشَّكل وقوانينها الدقيقة، إذ إن السُّرعة ليست مقياساً للأداء بقدر الإمكانية المعرفية وسبرها للموضوع أمام الكاميرا وكيفية حرف زاوية اللقطة حيث يكتسب الموضوع أعماقاً إضافية وغنىً لونياً غير مسبوق.. فن التصوير في جزء كبير منه هو إعادة إحياء، وإصرار على العودة من الموت، أقصد هنا موت الموضوع عبر صعقه ضوئياً بإكسير الحياة النَّابعة من الذات المُصوِّرة التي تبقى هي الأصل في إبداع اللوحات الضوئية ومن دونها لن تنفع تقنيات العالم كله، ولا ثورات تقنياته في خلق معنى جديد للعالم من حولنا.
bsnaij@yahoo.com

طباعة

عدد القراءات: 5