يرى ابن جني أن التأويل النحوي صياغة جديدة لما كان يتردد على ألسنة أصحاب اللغة أنفسهم كما تشهد بذلك الروايات بل إن تعليل النحاة بحسب الفراهيدي ليس إلا بياناً لما قام في نفوس المتكلمين وعقولهم وهكذا يصير الكشف عن العلة نوعاً من بيان حكمة العرب والمهم هنا هو إن التأويل كان يفسح المجال لاحتواء النظام اللغوي لاستعمالات لغوية نادرة خاصة تلك التي ارتبطت بالشعر والأمثال والأقوال المأثورة.

ومما كان يلاحظ على ابن جني أنه لم يكن يخطئ مستعملي اللغة أو يصف كلامهم باللحن مهما اجترؤوا على تراكيب اللغة وهذا بالطبع يرجع أساساً إلى أن تفكيره لا يمكن فصله عن السياق المعرفي للثقافة العربية وإذا كان بعض الباحثين المعاصرين قد ارتاب في تأويلات النحاة فإن بعضهم الآخر اعتبر من منظور تاريخي التأويل النحوي أداة هامة من أدوات بناء العلم ذاته بل إنه اعتبره متجاوباً مع التصور المعرفي الذي يرى أن كل معلول لا بدّ له من علة.

ومما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنه كان لتعليلات ابن جني وتأويلاته أثر كبير في الكشف عن إمكانات اللغة ومما لوحظ عليه بأنه لم يعمل على حصر الحكمة في المقومات الجمالية بل إنه عمل على تقصيها في ظواهر لغوية لا صلة لها بالتعبير الجمالي كما يتم فهمه اليوم مثل قياس الشبه الذي يقابل قياس العلة وهو نوع من حمل الفرع على الأصل لضرب من الشبه غير العلة التي علق عليها الحكم في الأصل بل هو نوع من الشبه اللفظي حيث إن ابن جني يرى في هذا النوع من القياس ضرباً من التصرف اللغوي الدال على الحكمة وهو يرجع ذلك إلى كثرة هذه اللغة وسعتها وغلبة حاجة أهلها إلى التصرف فيها لما يلابسونه ويكثرون استعماله من الكلام المنثور والشعر الموزون والخطب والسجوع وقد استخدم مجموعة من الوسائل التأويلية لإدراك أصول اللغة العربية والاستدلال على حكمتها مسترشداً ببعض آراء سيبويه في هذا الشأن وقد احتل حديثه عن التعليل وأنواع العلل حيزاً كبيراً من كتابه الخصائص حتى إنه ليجوز القول إنه كتب فصلاً طويلاً يطرح فيه أشكال التأويل النحوي وطرقه وهو ما يثبت أن تعامل النحاة القدامى مع اللغة كان خاضعاً لمجموعة من القواعد المتماسكة.

طباعة

عدد القراءات: 2