تتباينُ أمورُ المرء وحالاتهُ في الحياة ، وتتقلّبُ بين مُسِرٍّ ومُسيء ، وحلوٍ ومُرٍّ ، وهذا من طبيعة الحياة بين تعثّرٍ هنا وتعثّرٍ أو تيسيرٍ وتوفيق هناك .. وعلى رأي أبي العتاهية :

رُبَّ أمرٍ يسوءُ ثمّ يسرُّ                   وكذاكَ الأمورُ ، حلوٌ ومُرُّ

وكذاك الأمورُ ، تعثرُ بالناس         فخطْبٌ يمشي ، وخطبٌ يكرُّ

وأمّا الشاعرُ القرويّ فيحذّر من العجَلة في الأمر المُرام ، فالعجَلَةُ تورثُ الندامة ، وفي التروّي والأناة تهون ُ العثرات ، يقول:

إذا رمت أمراً فلا تعجلنّ         وإلّا ندمتَ على فعلهِ

فما عثْرةُ المرءِ قتّالةٌ        إذا كان يمشي على مهلهِ

ولكنّ ابن المُعتز ينظر إلى الأمور من زاويةٍ مختلفة ، وتحتاج إلى تمعّنٍ وتدبّر :

رُبَّ أمرٍ تتقيهِ                  جرَّ أمراً ترتجيهِ

خفيَ المحبوبُ فيهِ      وبدا المكروهُ فيه

ولعلّ هذا شبيههٌ بقولِ ابنِ أبي فنن :

رُبَّ أمرٍ سرَّ آخرُهُ          بعدما ساءت أوائلُهُ

ولعلّ الدعوةَ التالية أقرب إلى منطق الحكماء يقول شاعرٌ حكيم :

عليك بأوساطِ الأمور فإنّها         نجاةٌ ، فلا تركبْ ذَلولاً ولا صعبا

وينصحُ شاعرٌ حكيم بعدم الذهاب بعيداً في المبالغة بتضييق المنافذ ، وهو يرى أنَّ من الحكمة ترك ما فات وشأنه والتخفيف ما أمكن من أعباء الانشغال فيما لا طائل منه، ويوصي بالصبر على الأصدقاء إلّا ما كان مبعثاً للذلّ والهوان :

إذا ضيّقتَ أمراً ضاق جدّاً                 وإنْ هوَّنتَ ما قد عزّ هانا

فلا تهلكْ بشيءٍ فات يأساً                فكم أمرٍ تصعّبَ ثمّ هانا

سأصبرُ عن رفيقي إن جفاني        على كُلِّ الأذى ، إلّا الهوانا

وكم هو بليغٌ هذا التوصيف الذي جاء به أبو الفتح البستي ، وما أجملَ مقاربتَه بناسجات القز ، يقول:

إذا تضايق أمرٌ فانتظرْ فرَجاً        فأضيق الأمر أدناهُ إلى الفرَجِ

ألم ترَ أنّ المرءَ طولَ حياتهِ           معنّى بأمرٍ ما يزالُ يعالجُهْ

كدودٍ غدا للقزّ ينسجُ دائباً        ويهلكُ غمّاً وسْطَ ما هوناسجُهْ

وبدعو دعبل الخزاعي إلى قراءة واعية تأخذ بالأسباب والنتائج ، والتمعّن بالمداخل والمخارج ، يقول :

وإذا التمسْتَ دخولَ أمرٍ فالتمس ْ         مِن قبْلِ مدخلِهِ سبيلَ المخرجِ

ومن جميل ماقيل في الحذر ابتداءً وعدم تضييع أوائل المسائل وإهمالها ، قولُ أعرابيٍّ :

إذا ضيّعْتَ أوّلَ كلِّ أمرٍ                        أبتْ أعجازُهُ إلا التواءَ

وإنْ ساومْتَ أمرك كلَّ وغدٍ          ضعيفٍ ، كان أمرُكما سواءَ

وإن داويتَ دَيناً بالتناسي           وبالنسيان ، أخطأْتَ الدواءَ

وأحبّ أن أختم بما نُسِب لإمام الحكمة علي بن أبي طالب (ع):

هوّنِ الأمرَ تعشْ في راحةٍ            كُلُّ ما هوّنتَ إلّا سيهونْ

ليس أمرُ المرءِ سهلاً كلّهُ               إنما الأمرُ سهولٌ وحَزونْ

ربّما قرّتْ عيونٌ بشجىً          مُرمضٍ قد سخنتْ عنهُ عيونْ

تطلبُ الراحةَ في دارِ العنا       خابَ من يطلبُ شيئاً لا يكونْ

….من أجل ذلك فقد قال شاعرٌ حكبم :

دعِ الأمور تجري في أعِنَّتِها         ولا تبيتنَّ إلا خاليَ البالِ

طباعة

عدد القراءات: 3