في جواب «كانط» عن سؤال: «ما التنوير».. السؤال الذي طرحه قس بروتستانتي نهاية القرن الثامن عشر على أنه سؤال لم يجد له جواباً، كان جواب كانط واضحاً ويمتح (أي يستقي) من تلك النتائج التي ستشكل زبدة أجوبته عن الأسئلة الثلاثة التي شكلت مدماك مشروعه النقدي الثلاثي الكبير: ما الإدراك.. ما العمل.. ما الحكم؟
وبكل بساطة، التنوير هو الرشد والخروج من القصور، وهذا يتوقف على الفكر والتفكير، وأعتقد أنّ الجواب عن سؤال «ما التنوير» يجب أن يستمرّ ويشكل اختباراً لكل الفلسفات، لأنه موصول بكيفية تدبيرنا للوجود بل للفكر نفسه.. فلا شكّ في أنّ البشر يفكرون لكن ليس كل تفكير هو تفكير عقلاني، أي في حدود العقل بالمعنى الكانطي، وهذا شأن الميتافيزيقيا في نظره، فحتى تكون هذه الأخيرة علماً يجب أن تُنتج محمولاتها المستندة لوقائع خارجية، أي أن تكون قضايا تركيبية قبلية، وهو ما يتعذّر أن تضطلع به الميتافيزيقيا كما هو وضعها الراهن.. وقس على ذلك سائر أشكال التفكير في غيرها. النّاس يفكرون لكن في فراغ، يطلقون العنان فقط لآلية العقل كي تدور في الفراغ مسنودة بالخيال، عالم قائم لا رصيد له من الواقع الخارجي.. يحدث هذا في كل قطاع يقتضي تفكيراً وتعقّلاً.
لنختبر ذلك في وضعنا الراهن والعربي تحديداً: هل بالفعل خرجنا من القصور وهو المطلب الأساس قبل التنوير كما تساءل القسّ في سؤال: ما التنوير؟
إن التفكير غير المستند إلى وقائع قد ينتج الأطروحة ونقيضها، والترجيح هنا بلا مرجّح ما عدا الميول والعصبيات والمصالح الانتهازية، لأنّ المصلحة حين تكون عادلة وذات نفع عام تكون مسوغاً عقلانياً لكن حين تكون شخصية على حساب المنفعة العامة تصبح غير معقولة. ما زلنا نعتقد أن التفكير هو إطلاق العنان للفكر من دون شروط ومعطيات وحدود، ويحصل أن يختلط التفكير بالهذيان، والتعقل بالخيال، والنظر بالانفعال…هنا ماهية التفكير لا تحضر بل تكاد تكون عملية غامضة لأنها لا تتقيد بأورغانون (أي بآلة العلم كما في كتب المنطق لأرسطو).. كيف نفكر.. وفيما يجب التفكير فيه.. وعلى أي أساس نفكر.. وما الغاية من التفكير؟
لم يكن كانط في جوابه عن سؤال التنوير قد فرض شروطاً للتفكير كالتي وضعت في نقد العقل، إذ لا يمكن الوصول إلى نوبة المسؤولية قبل تحرر الفكر، ولعله هنا أميل إلى جون جاك روسو حيث الدعوة إلى منح الحرية لتصرف الطفل وعدم تقييده وذلك منحى تربوي ضروري لتخريج الرجال. وكانط أيضاً ينظر إلى الكائن في حالة القصور في حاجة إلى أن يفكّر ويكتشف الحرية وبعدها تنبثق منها مسؤولية التفكير في حدود العقل. التنوير هو إذاً نتيجة تربية على التفكير، وهي المهمة التي لم تنجز بعد.
إنّ العجز عن تجاوز القصور يكمن هنا في أننا لا ندري ماذا وكيف ولماذا نفكّر، نفكر تفكيراً قاصراً، نفكْر بالتمنيّات وكما لو أننا نحلم ونفكّر من دون التقيد بشروط العقل وكأنّ التفكير عملية بلا جدول أعمال وشكل من انحراق بصلة الرّأس بلا ناموس أو دستور.
وما زال المشهد واقعاً في هذا الشكل من القصور وغياب الرّشد والهروب من التزامات الفكر بمبادئ وآليات التفكير المسؤول، وحصل أنّ الفكر تدانى فبلغ السفح وأصبح ممارسة رخوة. وفي مشهدنا بات الفكر شكلاً من العدوان على الحقيقة وتنكّراً لمتطلّبات التفكير الصُّلب الذي نعني به التفكير من/إلى.. من دون ترنّح واستخفاف بمقدمات التفكير، وواضح أنّ سبب كل هذا راجع لتهالك بنية البرهان وقصور المتلقي في طلبه، فيغدو المجال مفتوحاً لنمط من التفكير لا هو حدس خالص يهزّ الصرح هزّاً.. ولا هو برهان يشفي غليل الطالب ويتحقق معه الرواء.
الرشد إذاً يتعلق اليوم بكيفية التفكير لا بمطلق التفكير، ففي مشهدنا العامر بألوان من الإنشاء لا يبدو أنّنا نفكّر بشروط الرشد الإنساني والعلمي، الإنشاء وإعادة إنشاء الإنشاء في مسلسل يكرس ضرباً من التواهم حول الحقيقة، هي حالة هدر لا تنشأ معها المفاهيم الكبرى، غياب المَلكَة لا يحجُبُها الإنشاء المُتقن على خلفية التقليد الذي لا يخطئ الأصل والتصوير الفوتوغرافي للخطاب. هذا الذي ننتجه هنا في مشهدنا الملتبس ليس فكراً راشداً بالمعنى الذي يمكن أن يتأسّس عليه تنوير حقيقي. التنوير ثورة في التفكير لا إعادة تمثيل واستهلاك نُشارة التفكير.. هذا الإدمان الفاحش على التمثّلات المكرورة في زمن تضخم الأنماط وسهولة التقليد هو حظنا في الأغلب من ترقيع ثقوب الفكر. لسنا نفكر بقدر ما نحصل على تطبيقات جاهزة لإعادة تمثّل منتجات فكرية، وفي الأعمّ الأغلب بمستوى من الاستيعاب يُزيّف المضمون فنكون أمام مسلسل كوميدي من الزّيف الفكري.
في مشهدنا الذي باتت فيه رعاية الفكر مهمّة تقوم بها الدوائر الرجعية وبات التنوير حرفة أيديولوجية لماضغي حطام الفوضى الفكرية بلا مبتدأ ولا خبر، وفكراً ينشأ كتركيب غير مسنود بوقائع عملية، وكجزء من مخطط للهيمنة على عقل عربي بأدواته التناقضية المتاحة واحتكار مصادر الخطاب، سنقول للمرة الألف إنّ الفكر الثوري والتحرري والإصلاحي لا ينشأ من داخل ظواهر الصولنة المغشوشة للسياسات الفكرية الرجعية، وإن الإرث الفلسفي والعلمي الحديث لا يحتاج أن يخضع لبرنامج التكرير النفطي كما تفعل مراكز البؤس الأيديولوجي المقنع، فعلى من يضحك ويمثل هؤلاء..وعلى من يقلبون المجنّ؟ والأهم إلى متى يستمر هذا القصور، لا أعني قصور المجتمعات وجماهير الأمم بل أقصد قصور النخب أو تلك التي تمنح نفسها هذه الصفة وهي نخبة من المرضى تفتقد الرشد والمصداقية.
أحيانا أجد نفسي مديناً لفكر عامة الناس أكثر من فكر نخبة «الواوي» الثقافي، فهذه الشعوب تشكلت بشروط الفعل الطبيعي والتاريخي وهي ليست شعوباً مزيفة، بل معظم النخب هي المزيفة وهي الأخطر على التنوير، فهي لا تفكر أفضل من الجمهور وليست جدية وصادقة مثل الجمهور، بل هي أشبه بمافيا تجار في الإنشاء، وترقص على ركح متهاو من المصطلح…

*كاتب من المغرب

طباعة
عدد القراءات: 5