«اليمن هي أكبر مأساة إنسانية في العالم – والأطفال يحرمون من مستقبلهم» تستقبلك هذه العبارة إذا زرت صفحة اليمن على موقع منظمة اليونيسيف، في التفاصيل يخبرك الموقع أن 360 ألف طفل يمني دون الخامسة من العمر يعانون سوء التغذية الشديد ويحتاجون الرعاية الصحية، وتحدد المنظمة الدولية حاجتها إلى المال بنحو 536 مليوناً لتتمكن من الاستمرار في تقديم المستوى نفسه (غير الكافي) من الرعاية.
تتحدث تقارير منظمة «أنقذوا الطفولة» «Save the Children» عن وفاة 85 ألف طفل يمني دون الخامسة من العمر، بسبب سوء التغذية منذ بداية الحرب على اليمن وحتى تشرين الأول 2018، وتضيف المنظمة أن نسبة 20 – 30% من الأطفال الذين يعانون سوء التغذية سوف يموتون، طبعاً هذه الأرقام لا تشمل حالات الوفيات في المناطق النائية التي لا تصلها المنظمات الدولية، ولا الأطفال الذين استشهدوا بسبب الأعمال القتالية.
صحيفة «الغارديان» البريطانية، تنقل عن السيدة ليزي غران منسقة المنظمات الإنسانية في اليمن، قولها إن البلاد تقترب من الدخول في أسوأ مجاعة تعرفها البشرية منذ أكثر من 100 عام. وتضيف السيدة غراند في لقاء مع إذاعة الـ«بي بي سي» البريطانية: لقد اعتقدنا أن زمن المجاعات الضخمة قد ولّى وأصبح جزءاً من التاريخ، لكن ما نراه اليوم في اليمن يثبت أننا كنّا على خطأ… علينا أن نشعر بالخجل، وأن نستيقظ كل صباح لنلوم أنفسنا، ونتساءل عن كيفية مساعدة هؤلاء الضحايا.
عندما تقصف طائرة سوقاً في صعدة أو الحديدة أو صنعاء، هل يكفي شعور العرب بالخجل، في الوقت الذي يقتل فيه أبناؤهم بأيدي بعضهم، وتحت سمع وبصر وصمت البعض الآخر، أم إن عليهم «الشعور بالعار؟»، نقصد الأغلبية وليس الجميع.
في فلسطين وجوارها تتم عملية «تطهير عرقي» للفلسطينيين وهويتهم، فأبواب الحياة والرزق تسد في وجههم ولا يبقى أمامهم سوى بوابتي الرحيل والتوطين، بعد تهجير لاجئي العراق من الفلسطينيين بعد احتلاله عام 2003، والتضييق على فلسطينيي لبنان في معيشتهم ورزقهم، واستهداف مخيمات الفلسطينيين في سورية التي منحتهم حياة كريمة مع الحفاظ على هويتهم، بدأت مشاريع التوطين كبند من بنود «صفقة القرن»، التي تسعى إلى توطين من تبقى منهم في جوار فلسطين في البلاد التي لجؤوا إليها، أما داخل فلسطين، فإضافة إلى الاحتلال في الضفة الغربية، والحصار وانسداد الأفق في غزة، تجلت خطة إبعاد الفلسطينيين بأبشع صورها خلال العام المنصرم، من الاعتراف بالقدس «عاصمة أبدية لإسرائيل» وحتى هدم البيوت في صور باهر، والتي تعد أكبر عملية هدم جماعية لمنازل فلسطينية منذ العام 1948.
مقال في إحدى الصحف اللبنانية يتحدث عن 700 لاجئ فلسطيني يتظاهرون أمام السفارة الكندية مطالبين باللجوء، وعن التحضير لاعتصام آخر أمام السفارة الاسترالية، مقال آخر في صحيفة مصرية يتحدث عن حرمان اللاجئين الفلسطينيين من التعليم والخدمات الطبية، ورفض اعتبارهم لاجئين، وفي شمال سورية يصرح منسق «تجمع مصير» من مقر تجمّعه في غازي عنتاب في تركيا، بأن الأمم المتحدة مطالبة بتحمل مسؤولياتها تجاه فلسطينيي سورية، ونقلهم إلى بلدان أكثر أمناً واستقراراً، على الجانب الآخر تعلو الأصوات التي تطالب بتجنيس فلسطينيي الأردن من حملة الوثائق الفلسطينية، وفتح فرص العمل في الخارج أمام فلسطينيي الضفة والقطاع.
كل هذا يجري في الوقت التي تتعرض فيه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» إلى اتهامات وتحقيقات «بالفساد»، تمهيداً للحد من دورها ليُصار إلى تصفيتها لاحقاً، وللمصادفة (العجيبة) تتعرض الجهود الإنسانية في اليمن إلى الاتهامات والتحقيقات نفسها. والحل كما يراه الغرب وبعض العرب يتمثل في زيادة حصة الفلسطينيين من برامج قبول اللاجئين في كندا وأستراليا وأوروبا، والحديث هنا عن 250 ألف لاجئ خلال عشر سنوات، أما مأساة اليمن فتبقى في زاوية النسيان العربية والدولية، مغلفة بشعارات «حماية الشرعية»، و«منع التغلغل الإيراني». في فلسطين واليمن الجوع هو السلاح، بعد أن فشلت الحرب.
نستطيع الكتابة ليل نهار عن تواطؤ أنظمة عربية في مآسي أمتنا، وأن نعدد ونحصل على الوثائق، لكن الأسئلة تبقى على حالها؛ ما فائدة إثبات الثابت، أيهما أكثر إقناعاً، وثيقة في أرشيف دولة ما، أم الطائرات التي نشاهدها تقصف اليمن، أم المخيمات التي تملأ المشهد العربي؟ ولعل السؤال الأخطر أين الشعب العربي؟
أيعقل أن تكون «الأونروا» مهددة بالإفلاس لعجز في ميزانيتها لا يصل إلى 200 مليون دولار، في وطن عربي يتجاوز عدد سكانه 300 مليون مواطن يتحدثون عن نصرة فلسطين وشعبها؟
كيف يموت أطفال اليمن من المجاعة في أمة تنفق على الذبائح أكثر من ملياري دولار في يوم واحد؟
أين المؤمنون، الذاهبون إلى الحج من الحديث النبوي «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم».. فما بالك إذا كان هذا الجار على شفا المجاعة؟
نحن شعوب مصابة بداء «البراءة» نلقي كل مثالبنا وإحباطاتنا على عاتق الحكومات (ومعظمها ليس بريئاً)، نتقن من الحديث أعذبه وأجزله، لكننا لا نتقن من الفعل حتى أقله، وقد ابتلينا مع «ربيع» الصهاينة بداء آخر، داء «الوطنية» بمعناه القطري الضيق، فوقفنا موقف المتفرج من تدمير العراق واحتلاله، وتدمير ليبيا، والحرب على سورية، والمجزرة في اليمن، والتآمر على فلسطين سابقاً ولاحقاً، وأصبح شعار هذه «الوطنية» المزعومة «اللّهم نفسي».
لست محايداً عند الحديث عن سورية، فأنا منحاز تماماً لسورية قيادة وجيشاً وشعباً صامداً، وأنا عاشق لسورية ومعترف بفضلها عليّ وعلى آلاف الطلاب العرب الذي نهلوا من مناهل علمها مثلي، عاصرت فيها لجوءاً فلسطينياً وعراقياً ولبنانياً، ما رأيت مخيما، ولا سمعت مسؤولاً أو مواطناً أو وسيلة إعلام تمنّ على العرب بعلم أو لقمة عيش أو فرصة عمل. كما نحن مطالبون بتمثل الأنموذج السوري في الصمود والنصر، علينا تمثل الأنموذج نفسه في العمل من أجل قضايا الأمة، كل عربي حر مطالب اليوم بالعمل على تقديم الدعم المادي المباشر إلى قضايا الأمة، من لا يقدر على حمل السلاح في وجه المحتل، فلينضم إلى إخوته في جمعيات ومنتديات تعمل على دعم الجهود الإنسانية في اليمن، أو خلق فرص عمل في فلسطين، أو الضغط على الحكومات لتغيير موقفها من بعض القضايا مثل موضوع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، أو من مشاركة بعض الحكومات في التحالف السعودي في اليمن.
منطق التاريخ يقول: إن فلسطين ستنتصر، وسورية ستنتصر وكذلك اليمن، لكن عار الصمت سيطارد تاريخ جيل بمعظمه، وسنحمل إثم هذا العار إن لم نبادر اليوم إلى كل وسيلة ممكنة لإنقاذ إخوتنا وإحقاق حقوقهم.

*كاتب من الأردن

طباعة
عدد القراءات: 6