آخر تحديث: 2019-11-19 15:55:16
شريط الأخبار

هل سينجح جونسون؟

التصنيفات: دراسات

تسبب مسألة انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إشكالية كبيرة للدول الأوروبية ولبريطانيا أيضاً.
إن بريطانيا وعبر تاريخها بقيت الجزيرة الواقعة في غرب أوروبا التي لم تتناغم مع المسائل الأوروبية بشكل جاد.
هذه الجزيرة التي سميت بريطانيا العظمى أعطت خصوصية لسكانها، فهي تقع شمال غرب القارة الأوروبية ويحيط بها بحر الشمال، القنال الإنكليزي والمحيط الأطلسي، وقد سميت بريطانيا العظمى التي تتألف من إنكلترا وويلز واسكتلندا وإيرلندا الشمالية، وكانت تحكم دولاً كثيرة من قارات العالم، حتى سميت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس.
يتحكم في السياسة الداخلية والخارجية البريطانية ثلاثة أحزاب رئيسة، هي حزب «المحافظين والعمال والأحرار»، والصراع الأقوى دائماً يبقى بين حزبي «المحافظين والعمال» اللذين غالباً ما يتناوبان على السلطة في بريطانيا.
إن علاقة بريطانيا مع أوروبا علاقة يشوبها الحذر دائماً، فالبريطانيون غير ميالين إلى الانخراط في الجسم الأوروبي، وقد بدا ذلك واضحاً عندما رفضت بريطانيا الانضمام إلى المجموعة الأوروبية للفحم والصلب التي سبقت الاتحاد الأوروبي لدى تأسيسه عام 1952، وذلك عندما قال رئيس الوزراء عن حزب العمال، كليمنت أتلي، الذي كان يحكم بريطانيا آنذاك، للبرلمان في عام 1950: إن حزبه ليس مستعداً لقبول مبدأ تسليم أكثر قوى الاقتصاد حيوية في هذا البلد إلى سلطة غير ديمقراطية على الإطلاق ولا يسائلها أحد، وكانت هناك مخاوف كذلك من أن يصعب الانضمام للكتلة إقامة علاقات وثيقة مع الكومنولث ومع الولايات المتحدة، وظلت بريطانيا كذلك خارج المجموعة الاقتصادية الأوروبية التي تشكلت من المجموعة الأوروبية للفحم والصلب في عام 1957، لكن رئيس وزرائها هارولد ماكميلان من حزب المحافظين غيّر هذا الموقف في عام 1961 وسعى لعضوية المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ومع انقسام أوروبا في الحرب الباردة قال ماكميلان: «إن الترويج للوحدة والاستقرار في أوروبا من خلال هذا التكتل عامل ضروري جداً في النضال من أجل الحرية والتقدم في العالم بأسره»، غير أن فرنسا قادت المعارضة لانضمام بريطانيا في ستينيات القرن الماضي، وعطل شارل ديغول انضمامها في عام 1961-1967 واتهمها بالعداء المتأصل للمشروع الأوروبي، لكنها انضمت إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1973 بعد أن سحبت فرنسا اعتراضها إثر استقالة شارل ديغول عام 1969.
وقال رئيس الوزراء البريطاني آنذاك تيد هيث، من حزب المحافظين لدى توقيعه على المعاهدة التي أدخلت بريطانيا السوق المشتركة: «الخيال سيكون مطلوباً لتطوير المؤسسات مع احترام فردية كل دولة»، وفي عام 1975 قرر رئيس الوزراء البريطاني الجديد في ذلك الوقت رولد ويلسون، من حزب العمال إجراء استفتاء على البقاء في التكتل أو الخروج منه، وكان ويلسون يؤيد البقاء داخل المجموعة بعد أن قال: إن إعادة التفاوض على شروط العضوية حققت أهدافه بدرجة كبيرة، وإن لم يكن بالكامل، وصوّت البريطانيون بنسبة 67% مقابل 33% لمصلحة البقاء داخل الاتحاد في عام 1975.
لقد أيّدت الزعيمة الجديدة لحزب المحافظين في بريطانيا آنذاك، مارغريت تاتشر، حملة البقاء داخل التكتل في عام 1975، لكن فترة رئاستها للوزراء شهدت انقساماً متزايداً داخل حزبها بشأن مسألة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، وقد توترت علاقاتها هي شخصياً بزعماء التكتل الأوروبي في بعض الأوقات، كما هاجمت تاتشر فكرة العملة الموحدة وتركيز سلطات كبيرة في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وقالت لرئيس المجموعة الأوروبية في ذلك الوقت جاك ديلوز «لا» رداً على خططه لتعزيز التكامل الأوروبي في عام 1990، لكن بعد بضعة أيام هدد مايكل هزلتين، المؤيد للتكامل الأوروبي زعامتها لحزب المحافظين، وأجبرت على ترك منصبها بعد أن فشلت في تحقيق فوز مباشر عليه في تشرين الثاني عام 1990، واضطر خليفتها جون ميجور إلى سحب الجنيه الإسترليني من آلية أسعار الصرف الأوروبية فيما عرف باسم «الأربعاء الأسود» في 16 أيلول عام 1992، وكانت هذه الآلية تهدف إلى خفض تقلبات أسعار الصرف قبيل الوحدة النقدية، وبعد فوز حزب العمال بزعامة توني بلير في انتخابات عام 1997 استبعد وزير ماليته جوردون براون الانضمام إلى اليورو.
ومن أشهر الدعاة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رئيس الوزراء البريطاني الحالي، بوريس جونسون، الذي قال في المناظرة الأخيرة التي نظمتها هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): حان الوقت لاستعادة بريطانيا السيطرة الكاملة على قرارها، فضلاً عن مبالغ مالية كبيرة ستستردها وسيكون لها القرار الكامل بخصوص سياستها التجارية ونظامها التشريعي.
ترى هل سينجح جونسون في تحقيق أفكاره بشأن انسحاب بريطانيا من الاتحاد؟
لقد بدأت بريطانيا خطوات انسحابها الرسمي من الاتحاد الأوروبي عندما سلّم سفير بريطانيا في بروكسل، تيم بارو، رسالة إلى رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك، تشير إلى تفعيل المادة 50 من معاهدة «لشبونة» في 29 آذار عام 2017 التي بمقتضاها تبدأ بريطانيا رسمياً بإجراءات الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وشملت الرسالة مجموعة من القضايا المعقدة التي سيجري التفاوض عليها، وفي مقدمتها مشروع القانون المالي للخروج، ووضع الاتحاد الأوروبي والمواطنين البريطانيين في الخارج وكذلك العلاقة التجارية المستقبلية.
وقد عدّ مفوض ألمانيا في الاتحاد الأوروبي، غينتر آيتنفز، أن مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي تعد رسالة سلبية بالنسبة لأوروبا عموماً، ولبريطانيا خاصة، لكن الأحداث الحالية تشير إلى أن بريطانيا مصممة على الخروج ولاسيما بعد استقالة تيريزا ماي من رئاسة الحزب والحكومة التي تولاها بوريس جونسون المؤيد للانسحاب باتفاق أو من دونه، ومن المقرر أن يكون موعد الانسحاب الرسمي في الـ 31 من شهر تشرين الأول لهذا العام بعد تأجيل الموعد مرتين بموافقة كل من الطرفين.
أمام جونسون مهمات كبيرة وصعبة بشأن الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، ولاسيما إذا ما تم هذا الانسحاب من دون عقد اتفاقية بين الطرفين، ومن أبرز هذه المهمات، تعديل بعض القوانين البريطانية التي تحتاج موافقة مجلس العموم البريطاني.
إن جونسون لا يتمتع بالأكثرية المريحة من مجلس العموم البريطاني، لذلك سننتظر ما تفرزه الأيام القادمة حتى نهاية شهر تشرين الأول القادم، ومن دون شك أنه سيتعرض لهزات عنيفة قبل حلول التاريخ المذكور، فهل سينجح بإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بشكل سلس؟

طباعة

التصنيفات: دراسات

Comments are closed