آخر تحديث: 2019-11-19 15:55:16
شريط الأخبار

في «بيدر فواصل» طهران صارم تعزف لحن الغريب على مرمى رصاصة

التصنيفات: ثقافة وفن

«الكأسُ التي شربت؛
ما كانت نبض القلب،
ولا حزن الزمان..
كانت رمل خطواتي
نحو صهيل النهايات..»
على هذا القدر من الجُمل الأنيقة، و.. بكلّ هدأة المتأملين؛ تبني الشاعرة طهران صارم قصيدتها، ولاسيما في مجموعتيها الشعريتين، أصدرتهما متتاليتين حتى الآن، وذلك عن دارين دمشقيتين للنشر، عُرفتا بالطباعة الجميلة واللافتة، والمجموعتان هما: «لحن الغريب» الصادرة عن دار التكوين، و«بيدر فواصل» الصادرة عن دار بعل، وفي كلا المجموعتين تأخذُ صارم المسار الهادئ ذاته، بين قصيدةٍ تطول بعضَ الشيء، إذ تتناسل الومضات، فتطول الخلجات الشعرية، تماماً كتأمّل راهبٍ في الجبال أضناهُ البحثُ عن المعرفةِ المطلقة، أو تأتي القصيدة كنصِ فريسة بيد صياد ماهر، رشيقة رشاقة غزلانٍ على السفوح.
«يوم أحببتك؛ كان يوم
معجزة..
الشمسُ، كانت في شرايين الفضاء،
والنهرُ كان مساحة للؤلؤ،
والنائمُ البحر..
كان يغفو عند قدميك
ما ضمّنا مساحة صغيرة ..»
بهذا «النوسان» وهذا الخفوت. والنبرة المنخفضة تُقدم الشاعرة قصيدتها وفي «ارتكابها» الشعري، ورغم اشتغالها على القصيدة الخافتة والمنخفضة النبرة، غير أنها وبعيداً عن «الكرنفالية»، تأتي مفعمة بالإيقاعات والتدفق العاطفي الوجداني الأمر الذي يبُعدها عن حمولات الذهنية وأعبائها، ومن ثم التخلص من الركام اللغوي الذي غالباً ما تُحشد به القصيدة الحديثة وتحديداً قصيدة النثر..!! ‏
في القصيدة التي تذهبُ صوبَ النفس الطويل، يأتي الإيقاع كحداءٍ في ليل الصحارى، فثمة تنويعات على حالةٍ واحدة من الدفق العاطفي، كما في القصيدة المُشار إليها أعلاه، والتي جاءت بعنوان «ذكرى» هنا تتوالى «الذكريات» كحكايات تُنبّش عليها في أدراج ماضٍ مُخاتل، تناكفه ليسرد لها هذا الحميمي والموارب.
«ما زلتُ أذكر..
كان يوماً معجزة؛
لعينيكَ شكل الوطن،
وكان التراب امتداد يديك،
وكنت تعبي..
لصوتك شكل التين
والزيتون
وكنتُ أحبك …»
غير أنها، وعلى العكس من ذلك في القصيدة التي تتجه صوب التكثيف أكثر، حيث تقول الشهقة الشعرية كحكمةٍ أو كمثل، و.. بكل غرام «الاقتصاد» اللغوي، كلما استطاعت إليه سبيلاً، ودروبها إليه عفوية، حتى كادت القصيدة عند طهران تكاد تكون قطعة كريستالٍ خالصة لكن من دون أن تضحي بالشعرية، بل إن الاتجاه السابق قربها أكثر صوب الشعر من خلال قصيدة غائرة في كينونة الأشياء معتمدة بذلك على التفاصيل المستمرة للحياة اليومية، وتبني من ركام هذه الحياة ومن هذه اللغة مناخاً للقصيدة لدرجة أن الاستشهاد بجزء من القصيدة يبدو مستحيلاً، فلا بد من إيراد القصيدة كاملة كشاهد.
«ينتحر البحر
كل يوم على الشطآن
لا يكف عن تعذيب نفسه
منذ ابتلع حوريته»
وهذا يؤكد الصنعة والحرفية في بناء طهران لقصيدتها التي تشتغل على بنائها بكل هذه التؤدة الفلسفية حيث تصبح المفردة شعريتها ضمن سياق القصيدة كلها وليس في المفردة بذاتها وإن أصبحت أو إن بعض المفردات تُركت لبريتها لتكون الشعرية كامنة بين إيقاعات الحروف.
غير أنّ طهران وفي «ميليها» صوب القصيدة المتوالدة والمتناسلة حكايا، أو تلك التي تقول فيها الشعر دفعةً واحدة، فإنها تسردُ سيرةَ شخصية – هي أنا وأنت هي نحن بشكلٍ عام.. لأن الشعر همّ شخصي يعني الآخرين كثيراً إن لم يكن مرآتهم – أقول إنها تسرد سيرة تلك الشخصية التي أنهكتها الوحدة والغربة في الوطن فكانت «شخصية» مونودراما، وحيدة تحلم بالجميل على واقعِ من شوك، كلما بسطت سجادة أحلامها يغزّها شوك الواقع بكامل هذه الحدة والألم. من هنا يمكن تفسير تكرار مفردة «الغربة» بكل تلويناتها ومرادفاتها في النص الشعري لدى هذه الشاعرة، تتكرر بكل المرارة والخيبة، وبالكثير من الخذلان، تكنز صارم هنا في نصها الغربة القاسية، بزخم هذه المناخات الشاحبة، حيث تظهرُ في تصاريف الغياب والعزلة التي تعيشها «الشخصية» زمناً داخلياً تجري في طبقاته وتشيع روائحها في فضاءاته.
«ليس لي ليلٌ اشتاقه،
ولا بحرٌ يحضنُ غربتي..
ليس لي
قمرٌ أناجيه شقائي
فقط..
لي نافذةٌ مفتوحة
على روحي»
في قصيدة طهران صارم يبدو ثمة نص متوار، مواز للنص الشعري تماماً كما العنوان الذي يشي لنصف الآخر المتواري، المتوازي، ومن العسر أن يغفل المتلقي هذا النص الموارب المتجسد تارة بإيحاء المفردات وانرياحاتها أو بذلك الفضاء لهذه الدفقات الشعرية القصيرة، والذي هو الفعل البصري التشكيلي الذي يوازي مساحة الكتابة المتمثل بالبياض والنقاط التي تتشكل على هيئة أزرار لقميص أنثوي يلبس النص.. الذي يقدم هذا الشعر المفعم بالنزوع الفردي من بطولة ضمير «الأنا» ‏الذي يقع على عاتقه كامل فروسيّة النص و.. إشعال فتيل القصائد.
في تفاصيل، أو في فواصل بيدرها التي تعزفه بلحنٍ غريب، تنكشف ملامح أنثى..الحلم والرمز والوجدان، أنثى كأن الشاعرة أعطتها قيمة تساوي الحياة، أنثى شاملة ممتدة من ذات الشاعرة إلى المرأة… إلى الطبيعة، إلى أبعد ما وراء الحدث.
«في حيّنا؛
حيث يسكن الموت
كجارٍ قريب..
أخرج كل صباح؛
أزور الشوارع والأزقة..
أطمئن إلى الحياة
و.. أعود».
منذ سنة 2012، وكانت سورية، لاتزال في سنتها الأولى من وجعها، عزفت الشاعرة طهران صارم «لحن الغريب» أول إصداراتها الشعرية، وفي السنة التالية، أي 2013, كان لطهران حصادها الشعري «بيدر فواصل» مجموعتها الشعرية الثانية، وفي تأملها الطويل خلال حالتيها الشعريتين السابقتين اللتين لفتتا الانتباه لتجربة شعرية تتلمس ملامحها الخاصة، في مشهدٍ شعري من الصعوبة بمكانٍ فيه الاختلاف، خلاله كانت الشاعرة تشتغل على مُعادلها الشعري تجاه المحنة السورية التي طالت كثيراً، فكتبت قصائدها «على مرمى رصاصة» ثالثتها الشعرية، الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب – وزارة الثقافة.
تأتي مجموعة «على مرمى رصاصة» كقراءةٍ شعرية لمحنةٍ وبلاء اجتمعت لإنجازه كل قوى الشر والعدوان في هذا العالم. قراءة شعرية نعتتها الشاعرة بـ «ومضات»، جاءت كمقطوعات نثرية كتبتها بين عامي 2011، و2013، وكان باعثها – كما تذكر – أجواء الحرب على سورية، إذ تصير كل الأشياء.. بما فيها الروح هدفاً لرصاصة خائنة.
و طهران في هذه الـ «ومضات» كما أضافت هذه «الدرجة» لعتبة العنوان الرئيس، تذهب خلالها صوب السرد، أكثر هذه المرة، فكان ثمة «حدث» بنت عليه «حكاية القصيدة»، ومن ثم كانت محطتها هنا «الأقصودة» أو ما درجت تسميته القصة القصيرة جداً، وإن بقيت «المقطوعات النثرية» كما سمتها في فضاء الشعر الخالص.
«مرة قلت لي:
لن يُفرقنا إلا الموت
اليوم
فرقتنا الجبهات..!»
على هذه الشاكلة من الحكايات الشعرية، تسرد، وتروي طهران صارم نصوصها، التي تمردت على العناوين، العناوين التي اختزلت لتصير أرقاماً وحسب، ذلك إن هذه «المقطوعات» التي تأتي سريعة، وصارخة كرصاصة، لا تحتمل مثل هذا التراخي، أو الإطالة لكتابة عناوين، وكان أن سجلت الشاعرة خمساً وخمسين ومضة شعرية، حاولت أن تبتعد عن العارض السياسي، حتى لا تقع شعرية القصيدة في راهنية ولحظية الأحداث، ومن ثم انتهاء مفعولها بعد نهاية الأحداث، وإنما أخذت الحالة الإنسانية الدهرية لحالة الحدث، أو الأحداث التي ابتُلي بها الوطن، حالات تتكرر مادام كان ثمة عدوان، وهذه الجغرافيا من الكون التي هي «سورية» و.. كأنه مقدرٌ عليها مثل هذا البلاء كل حين غادر من السنين، ومن ثم خرجت النصوص من مطب الحالة الصحفية، وحتى التسجيلية، والتوثيقية للأحداث، رغم أنها قراءة فيها، لكنها القراءة الإبداعية من وجهة نظر شاعرة هزّ روحها ما يجري لسورية، فكان أن عبرت بما يُليق بجلل الأحداث وخطورتها.
«لقائي بك؛
مرهونٌ بمسافة القذيفة
التي ستسقط قريباً أو بعيداً من بيتي..
لقائي بك
يُحدد موعده القنّاص على سطح جارنا
بمزاجه..
بالرحمة البعيدة عنه،
أو باللارحمة
مرهونٌ بضمير حربٍ خائنة.»
من هنا، فإنّ الفعالية الشعرية في المجموعة، تذهب باتجاه «الموت» الذي يصير«سيّد» الأمكنة، والزمان في الحروب، والمحن، تذهب الفعالية الشعرية بكليتها هنا – تقريباً– صوب هذا الهاجس الذي اتسعت «تاؤه» حتى صارت بحيرة لا تشبع، تطلب المزيد طوال الوقت، من هنا أيضاً كان هذا الصوت الشعري النسوي الذي يُعبر عن النساء اللواتي كنّ أول من يقع في مستنقع الفقد والخسارة، هؤلاء النسوة المنكوبات اللواتي ملأن الشاشات تفجعاً، سواء بأب أو أخ أو ولد أو بيت، بل يمكن القول إن المرأة صارت ماركة مسجلة للخسارة والألم في كل المشاهد البصرية التي يمكن أن نراها فيه، فمن مجزرة إلى أخرى ومن تشييع إلى آخر، تقبع هناك في أسودها تدفن معه أحلامها وأمنها وأمانها أفراحها ومستقبلها.. سجلت طهران كل ذلك بالصوت الذاتي، بـ «الأنا» التي تستطيل، وتتمدد لتصير «كلهن» وذلك بنص حاول، واستطاع كثيراً أن يُفارق المتعارف عليه في النصوص الشعرية الأنثوية، وأن تخرج عن رتابة وسمت بها تلك النصوص.
«على صوت القذيفة
لا على صوت المنبّه
يُغادرني نعاسي كل يوم
ألملمُ بعضي
أتفقد يدك
عينيك
أنفاسك
أتفقد
بعضي
كلي، و.. أعود
لأكمل المنام».
وفي مثل هذه الدروب، التي تُفضي إلى شوارع التيه، والضياع، و.. رغم كل هذا الخذلان والخيبة، التي تشي النصوص، فإن ثمة «مقطوعات» كانت تدخل كل حين بين سلسلة هذه الومضات المرقمة، لتكون محور الحب، والحلم، والأنوثة، مستثمرة السائد شعرياً، والمتاح، لتُعيد تشكيله جمالياً، وذلك بعملية انزياح عن النسق الذي اعتاده، أو تمّ الاعتياد عليه فيه، ومن خلاله، لتضعه في سياقات جديدة، لتنتج نصاً يلبس الكثير من أثواب الدهشة، وكأننا أمام عملية تدوير إبداعية توازي عملية التدوير البيئية، إذ يُعاد استخدام الركام من المستهلكات الورقية، أو المعدنية في دورة تحويلية تجعل النفايات منتجات ذات قيمة.
«الرجل الذي يجلس قبالتي
على المقعد
هل يُدرك أنني أقرأ أصابع كفه
و.. أنني أرى الغيم يعصفُ في عينيه
وأن لي نبوءة لخُطا قدميه
هل يعرف أنني الآن أنسج القصيدة
من شروده
و.. أنني أتشارك معه همّ النهار
وأسمع أنين قهره
و.. أعرف تماماً، كيف ابيضّ شعره».
بقي أن نُشير إلى أن الشاعرة طهران صارم نالت جائزة تقديرية في مسابقة لبنان الدولية للفنون والآداب لعام /2014/ والتي شارك فيها العديد من الأدباء والفنانين العرب والأجانب.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed