بعد أن تخرجت في كلية الفنون الجميلة قسم التصميم الداخلي، بدأت الفنانة «نور الكوا» الغوص في عوالمها التشكيلية، من دون أن تركن إلى أسلوبية واحدة، فهي تعتقد أن ذلك تقييد لها ولحرية تفكيرها في الفن التشكيلي، لذا فإنها تسعى باستمرار لأن تضيف إلى تجربتها على صعيد الموضوع والأسلوب وطرائق التصوير، لكن المهم على جميع لوحاتها أن تشبهها.. حول هذه المواضيع واشتغالاتها على الآدميات واللاندسكيب والثور، كان لنا معها هذا الحوار:
في بدايات كل فنان ثمة رحلة استكشاف للأسلوب، أين أنت من هذه الرحلة، وهل اكتمل أسلوبك؟
لن يكتمل وحتى بعد مئة عام، فلو وصل الفن إلى اكتماله، لما جاء بعد الرواد الذين ابتكروا التجريدية والسريالية والتكعيبية آلاف الفنانين بأساليب جديدة، فالتجارب لن تنتهي طالما ثمة اتجاهات فكرية جديدة وبحث متواصل.حتى الآن لا أعتقد أنني صنعت شيئاً، فما زلت أشعر أنني ألعب بالـ«شاسيهات»، صحيح أن إنتاجي كثيف، لكن مجرد أنني استطعت إيصال اللوحة لقلوب الناس فهذا الأهم بالنسبة لي، لأن كل الفنون بحاجة إلى جمهور، ومن دونه لن تكتمل رسالة الفن.
كيف تفكرين بلوحتك؟
هناك عناصر محببة بالنسبة لي، في البداية كنت أحب الطبيعة الصامتة، وبدأت مثلي مثل أي فنان مبتدئ برسم الطبيعة الصامتة، البورتريه، والآدميات… وما زلت أشعر من خلالها أنني أستطيع التعبير عن نفسي بطريقة جميلة، من خلال توضعهم، بشكل تكعيبي أو تجريدي،… بعدها بدأت بالآدميات مع التركيز على الأشياء التي فيها شيء تعبيري، ولم يكن همّي أن أرسم امرأة جالسة تشريح جسدها صحيح، بل أحببت أن يكون في حركاتها شيء مميز وعلى مستوى عالٍ من التعبيرية، بحيث تشير إلى الأمومة أو الألم من خلال حملها ناي أو الرقص، لذلك استعنت بالحركات الغريبة وغير التقليدية.
لاحظت أن المرأة التي ترسمينها تشبهك
هي متغيرة كثيراً، لكنها فعلاً تشبهني، فلا امرأة ممتلئة ضمن لوحاتي، وممكن الشبه يأتي بشكل لا إرادي، أو لأنني أحب الأشياء التي فيها نسب جميلة،الجميع تغريهم المرأة الجميلة.
حتى أنت تغريك المرأة! قد أفهم ذلك بالنسبة للرجل
أتحدث كمصورة، تشريحياً، أميل للآدميات ذات العضلات الواضحة، وعندي الكثير من النساء الممتلئات أو البدينات، وحتى رسمت رجالاً ممتلئين بشكل تجريدي.
لماذا تحاولين أن تَكْسِي الجسد الإنساني تاركةً إياه للغموض، وهل تخافين من استعراض عضلاتك التشكيلية برسم جسد الإنسان بشكله الواقعي؟
لا، الجسد في لوحاتي مُجَرَّدٌ، وفيه اختصار للواقع، هذا هو التجريد، لكن البناء الأساس صحيح، وبعد ذلك نكسر شكله ونلخصه بمجموعة خطوط وألوان، وهناك الكثير من أعمالي من دون زي، لكن الكساء يتم عبر اللون، فأنا لا أرسم أي شيء فيه مباشرة، ولا أرسم «العورات»، فهي لا تناسب عقلي ولا كوني فتاة محجبة، كما أنني لا أرسم لوحة فيها عري لأنها لا تشبهني. وكل ما أرسمه يشبهني، حتى في مرحلة لوحاتي المتعلقة بالثور جميعها تشبهني.
كيف للثور أن يشبهك؟
أشبهه بالعناد، هذه المرحلة جاءت بعد الكثير من التفكير، ولأنني لا أحب أن أقيد ذاتي بأشكال واحدة وموضوع واحد، لذا جاء انتقالي من الآدميات إلى الثور بوضعياته الإنسانية المختلفة، وأعدّ أن هناك الكثير من الفنانين عاشوا كل حياتهم ضمن تجربة واحدة مثل «هنري ماتيس»، وفي المقابل هناك أمثال «بيكاسو» اشتغلوا على الكثير من المواضيع، وانتقلوا فيها من الواقعية إلى التكعيبية إلى التجريدية، وأنا أرى أنه ليس على الفنان أن يكون محتكراً لأسلوب واحد أو موضوع واحد، التجديد والتغيير يضيفتن للوحة ويغنيانها، أما تكرار نفسي حتى لو وصلت إلى أن يكون لدي طابع فني معين فهو تقييد، فمن الممكن أن أمضي عمري الفني وأنا ضمن ذاك الطابع، أو بإمكاني أن يكون لدي طابع أول وثانٍ وثالث وعاشر،…
الطابع يختلف عن المشروع الفني.. ما هو مشروعك الفني؟
في البداية كان مشروعي تجريداً تشخيصيّاً، أي أن أي شيء أراه سواء آدميات أو حصان أو ثور أجرّده لخطوط، بعدها مررت بتجربة ضمَّت حوالي مئة وخمسين عملاً، ليس فيها أي تكوين، هي مساحات لونية، وذهبت فيها إلى «اللاندسكيب»، الطبيعة والحارات، وصرت أحس أنني خلَّصت اللوحة من الشكل وحافظت على الخلفية اللونية فيها، وبدأت أتلمَّس كيف للّون أن يعبّر من دون أن تحتوي اللوحة على أي خط. بعد هذه التجربة اشتغلت على الثور، وفي رأيي أن هذا الكائن لم يتم العمل عليه بكثافة في الشرق، وأحسست أنه فريد ضمن الساحة التشكيلية السورية.
مع أن باسم دحدوح اشتغل كثيراً عليه.
اشتغل عليه بطريقة غريبة ومميزة، لكنها لا تشبه الشيء الذي طرحته في أعمالي، حيث اشتغل الإنسان برأس ثور، أما أنا فجميع لوحاتي عن الثور، فالثور كما هو لكن بانفعالات لونية غريبة، بينما أغلب أعماله ذات طابع لوني واحد، وخط أسود قوي للأجساد التي تأخذ أشكالاً تعبيرية، أما في أعمالي فـ«الثور على كنبة» هو مشروع خاص، وفكرتي تأتي من حلبة المصارعة، هنا الثور يرسم حلماً له، بعد أن كان ضمن مساحة صراع مع الإنسان، فإنه يرينا الآن جوانبه الإنسانية التي لا نراها، بمعنى أن شكلنا مختلف تماماً عن العقل الذي منحنا إياه الله، هذا الجسد له جماليات أخرى، فالثور يعزف موسيقى ويلعب شطرنجاً، وعندما رسمت «الماتادور» ضمن ثلاثة أعمال في ألمانيا، جعلت اللباس والزي نفسه أما جسد الإنسان فكان برأس ثور، ومع ذلك بقيت نظرته حزينة، لأنه ليس مكانه ولا يحب أن يكون في هذا الوضع.
هناك أيضاً تجارب نحتية لها علاقة بموضوعة الثور لـ«جميل قاشة» و«فؤاد أبو عساف».
أول لوحة لها علاقة بالثور رسمتها كانت ضمن ورشة في مشغل الأستاذ «فؤاد أبو عساف» في السويداء، ولا تستطيع أن تدخل إلى ذاك المكان من دون أن ترسم شيئاً من وحيها، وكانت أولى لوحاتي عن الثور وهي نقل لإحدى منحوتات «أبو عساف» إلى فضاء لوحتي.
هل من الممكن أن نرى ضمن أعمالك أسماكاً وطيوراً وقططاً كمفردات اشتغل عليها «أبو عساف»؟
إن وَجَدْتُ أن هذا يشبهني ممكن، أما إن شعرت أنه لن يعبر عني تماماً، فلن أشتغل عليه، طبعاً ذلك ليس تحدياً مع أحد، فعندما رسمت الثور سعيت أن تكون له خصوصيتي الفنية، وألا يشبه أحداً، وليس منقولاً عن أحد، لأنني لن أستطيع أن أنافس فناني اليونان أو إسبانيا الذين رسموا الثور وهو كائن أسطوري بالنسبة لهم، وهناك بلده الأم، لذلك نوعاً ما أسعى للبحث عن نفسي أكثر، وكم تشبهني لوحاتي.
لذلك الثور الذي أرسمه بعيد عن منطق القوة والخصوبة، وبعيد عن الثور المجنح في الأسطورة، فهنا الثور يجسد حالات إنسانية، ليس بشكلها التعبيري الجسدي، وإنما الفكري، فالثور يوصل رسالة أنك أيها الإنسان بدل أن تستمتع في حلبة المصارعة وتكسب المال، ثمة الكثير من جوانب المتعة الحياتية الأخرى التي بإمكانك تحقيقها، مثل الموسيقى وألعاب الشدة والشطرنج…
ما يميزك إضافة إلى الخطوط القوية، ألوان لوحاتك، هل يرجع ذلك إلى دراستك بالتصميم الداخلي والديكور؟
بكل الأعمال ثمة طابع معماري في اللوحة، ببنائها أو بألوانها، فلا تستطيع فصل العمارة عن اللوحة، وكذلك جميع الفنون لا يمكن فصلها عن بعضها، بما في ذلك الموسيقى، ففي كثير من اللوحات تشعر أنك تسمع موسيقى، والعمارة هي الفن الشامل للنحت والتصوير والغرافيك…
هل تفكرين بلوحتك بأنها ستكون ضمن صالون أم صالة عرض؟
لا أفكر فيها إلا أنها ضمن مرسمي، وبعد ذلك أين ستذهب لا أعرف، بمعنى أنني لا أرسمها لمكان، ولا يكون بذهني أن هذه اللوحة ستعرض في هذا المكان، لكن أتعامل مع لوحاتي باستمرار كفضاء، ومن هنا أعمالي الصغيرة قليلة العدد، أحب الجداريات والمساحات الكبيرة، وأتمنى أن تعرض في فضاء واسع.
اشتغلت سابقاً في معهد لذوي الاحتياجات الذهنية كم أثر ذلك في لوحاتك؟
فعلاً عملت مذ كان عمري 18 عاماً آنسةً للفنون مع ذوي الاحتياجات الذهنية في معهد البركة، وصغتُ منهجاً لكيفية التعليم عبر الفن التشكيلي، لأن التعامل مع شخص ليس لديه قدرات ذهنية عالية لتعلم الفيزياء والرياضيات والكيمياء، يوجب علينا اللجوء إلى وسائل أخرى لتعليمه، وللرسم مجال مهم في هذا الإطار.
أما أثر ذلك في لوحاتي فكبير، مثلاً لا ترى في لوحاتي عن الآدميات عيون، وهناك أجساد بلا أطراف، لكن تعبيرياً يستطيعون التعبير بطريقة جميلة، وحتى اللوحة باستطاعتك محبتها، برغم عدم كمال الجسد البشري المرسوم فيها، والشيء ذاته بالنسبة لأولئك الأشخاص.
ما هو العنصر القوي الذي يعوض النقص في لوحتك؟
أعتمد العكس، أن أفقد عن سابق إصرار عنصراً، وأن يكمله المتلقي ذهنياً، ففي الآدميات لا عيون لكن المشاهد لا يستاء من هذا النقص لأنه يكمله، على عكس لوحات الثور التي أركز فيها على تعابير العين، فالبصيرة أهم من البصر، فليس دائماً ما نملكه نستفيد منه، وهناك الكثير من الناس ليسوا عمياناً لكنهم لا يرون، وقلبهم لا يرى شيئاً، لذلك المشاعر بداخلنا تخدمنا، حتى في ظل عدم الكمال بأجسادنا.

طباعة

عدد القراءات: 5