زرتُ صديقاً قديماً وإذ به يُنغّم أبياتاً ألّفها خِصّيصاً في مديح حرف الميم. فحساسيته الشعرية وآهاتُه ولواعجه وخفقان قلبه واضطراب جوانحه ونحول جسمه وانطلاق لسانه لا تظهر عليه إلا مع اقتراب الموسم الدراسي وغيماتِ «الشتوية» التي يتغزّل بها وبلياليها السود الطوالِ كليلِ العامريّة ليلى وسواد شعرها الألْيَلِ!.
وما كان منه إلا أن جهّز كأسي متّة مع عشبةِ المريميّة وبدأ يغمغم كلاماً خفيفاً لطيفاً ليخفّفَ عن روحه وجعاً مزمناً متكرراً ملازماً له منذ أن أصبح معيلاً مربّياً… وقال: «وجاءني فصلُ الخريف بسبعِ ميماتٍ عِظام: ميمُ المؤونةِ يا حسرتي، ومراويلُ أطفالٍ عفاريتَ أشقياءَ، ومكدوسُ سندويشاتهم وفطورهم، ومقلمات أقلامهم ومماحيهم، ومازوت المودّة للشتاء، وملحفاتُ النوم المنعّم والمدلّل، وآخرُ الميماتِ ميمُ زوجتي المليحة المهفهفة ورديّة الخدّين: ميّاسة»!.
فما كان من زوجته إلا أن رمقتنا بطرف عينيها الكحيلة وغمزتْ ولمزتْ وأكملتْ «طقطوقة» زوجها باستهجانٍ ينذرُ باشتعال نيران الحرب وقالت: «وفوقَ كلِّ ما ذكرتَ لدينا نحنُ النساء ميماتُ همومنا وأمورنا التي لا تنتهي: ميمُ ماكياجنا، وموضاتُ ملابسنا، ومكالماتنا ومسجاتنا، ومشاغلنا في مناسبات الصديقات والقريبات، ومسلسلاتُ الهدايا والمعطّرات… فما لكَ لم تذكرْ منها سوى ميمُ مرتك يا مالكَ قلبي؟!».
أمّا أنا فما كان منّي إلا أن قلتُ لهما: ما بالكم طال عمركم كل واحد فيكم مثل حصان امرئ القيس «مِكرٍّ مفرٍّ مُقبلٍ مدبرٍ كجلمود صخر حطّه السيل من علٍ»! ألم تسمعوا ببيت الشعر القائل: «سيفتح الله باباً كنت تحسَبه من شدّة اليأس لم يُخْلَق بمفتاحِ». وأن هناك من يقول إن ميمَ مرتّبات الموظفين المقهورين المكبوتين المسحوقين تحت جبال هموم المعيشِ والموت العبثيّ… ستنتعش بزيادةٍ «مدسمة» ومفرحة؟…
وأكملتُ شُرْبَ متّتي بـمنتهى السعادة، حالماً بـمدينتي الفاضلة وميماتها الحلوات الكثيرات!.

طباعة

عدد القراءات: 8