إن المبادئ التي صاغها ابن جني باعتبارها مذاهب العرب في الكلام لا تنحصر أهميتها في إدراك نوع العلاقة بين لغة الشعر واللغة الطبيعية وإنما تتعدى ذلك إلى فهم ما يجري في اللغة العربية من مظاهر الإبداع الدالة على حكمتها وبالطبع لو لم يكن للعربية نظاماً محكماً يدل على عبقرية أصحابها وعظمة واضعها لما انقاد ابن جني إلى الكشف عن جوانب إبداع حقيقية في هذه اللغة بحيث يمكن القول إنه يوجد في تعليلاته وتأويلاته للغة خطوة نحو استجلاء خصائصها في التعبير الجمالي من حيث إن مفهوم اللغة الطبيعية لا يعني وجود لغة عارية من المقومات الجمالية فقد يتأتى شيء من ذلك على سبيل التجريد إلا أن اللغة الطبيعية التي اضطلع ابن جني باستقصاء خصائصها تملك من الإمكانات الجمالية ما يكفل لها أن تكون ذات صفات إبداعية..

وبالتالي الشعر هو شكل من أشكال الإبداع في هذه اللغة حيث يستمد منها ويمدها في الآن معاً وبناء على هذه الفكرة يمكن الاعتبار أن كثيراً من الخصائص الفنية التي وقف عليها ابن جني في اللغة العربية تجري على الشعر وقد يكون هذا أمراً طبيعياً بالنسبة إلى العلماء الأوائل الذين تعاملوا مع اللغة في استخدامها الأدبي الرفيع غير أن الشعر يظل محتفظاً بخصوصيته التي كان ابن جني واعياً بها وبالتالي يمكن القول هنا أن اللغة الطبيعية ليست هي في الجهة المقابلة للشعر وليست هي تجريداً في درجة الصفر من الإبداع..

وبحسب ابن جني فإن كلام العرب كثير الانحرافات ولطيف المقاصد والجهات وأعذب ما فيه تلفته وتثنيه، وبحسب سيبويه فإنه ليس شيئاً مما يضطرون إليه إلا وهم يحاولون به وجهاً تأثير ما في المنحى العام الذي انتهجه ابن جني في تأويل اللغة ومما يومئ إليه هذا الكلام أن للغة العربية نظاماً ينبغي التنبه إليه ورد كل ما هو خارج عنه إليه بما يسميه ابن جني ملاطفة الصنعة حيث يؤكد أن العرب إن غيرت شيئاً من كلامها من صورة إلى صورة فيجب حينئذ أن تتأتى لذلك وتلاطفه لا أن تخبطه وتتعسفه من حيث إنه يرى أن ما يظهر في اللغة من تغييرات يقتضي التعليل والتأويل بشيء من الحذف حتى ينسجم مع النظام اللغوي.

ووفق هذا المنحى طبع تأويلاته للاستعمالات اللغوية النادرة أو التي تبتعد عن القواعد الأصلية على أن حرصه الشديد على التأويل يرتد إلى اعتقاده كما غيره من العلماء الأوائل في حكمة اللغة العربية وعبقريتها وأن ما يطرأ عليها من تغييرات تبتعد بها عن النظام اللغوي له وجه يمكن تعليله ورده إلى الأصل وعلى هذا النحو أصبح التعليل وسيلة لإظهار حكمة اللغة وخصائصها الجمالية التي تتجلى فيما اصطلح عليه ابن جني بالانحرافات ولطف المقاصد والتلفت والتثني وهي ألفاظ تكشف عن وعيه بجمالية اللغة التي يستعملها المتكلم العربي لأداء أغراض تضاف إلى حاجته الأولية في التواصل.

طباعة

عدد القراءات: 5