إذا أتيحت لك زيارة الساحل، أو كنت من سكانه وتوجهت إلى بعض من جباله التي ينبسط السهل أمامها سترى بوضوح كيف ينساب جدول من الماء العذب, مغادراً نبع السن بكل أناقة وعذوبة يتعرج بين الأشجار والأعشاب ليصل إلى البحر ويصب فيه!
من يدع الماء العذب يذهب إلى البحر والسكان عطاش، لا يفعل ذلك كرهاً بالسكان في تلك المنطقة سواء كانوا يسكنون المدن أو الأرياف، وليس لأن لهذا الماء أي وظيفة أخرى، فحسب الشائع لا يشرب السمك الماء العذب، وإذا كان كذلك فذاك الشاطئ من أقل الشواطئ غنىً بالأسماك.
إذاً المحصلة إن هذا الماء يهدر أمام أعين العطشى بدواعي اللامبالاة وقلة الاهتمام بتأمين حاجات الناس الأساسية، وربما بسبب الفشل في إدارة الموارد المائية في هذا البلد.
هل يعرف أي مسؤول مدى الاستياء الذي يسكن نفوس سكان القرى العطشى وخاصة عندما يغرقون بالأمطار شتاء ثم يعطشون صيفاً؟
الفشل الآخر الذي لا يقل استفزازاً عن هذا هو طريقة توزيع ما يصل من المياه ضمن كل قرية أو منطقة، إذ يمكن أن يكتشف سكان الحارة «التحتانية» في كل قرية ومنطقة أن جيرانهم في الحارة الأعلى ينعمون بماء وفير يمكنهم حتى من ري مزروعاتهم والتمتع بطعم الخضر المنتجة محلياً، بينما يصعب على الكثير من سكان الحارات الأخرى الحصول على حاجتهم من ماء الشرب.
لا يستطيع سكان المناطق التي تنعم بوفرة في الأمطار تقبل فكرة شراء الماء صيفاً، لكي يشربوا أو يستحموا أو ينظفوا الأواني والثياب، ليس لأن الميزانية عند أغلبيتهم لا تسمح فقط، بل لأنهم يرون الماء يهدر وهم عطاش.
هذا الحال لا يقتصر على المناطق الساحلية، فسوء إدارة الماء، يتسبب في نقص كبير عن الحاجة لأغلبية الناس، ويمكن للتعامل مع هذه الثروة ببعض من الاهتمام ومعالجة أشكال الهدر التي تحصل سواء بسبب التسريب الناجم عن اهتراء شبكات المياه، أو بسبب سوء الاستخدام، أن يوفر الكثير من الماء لمحتاجيه، وإذا كانت أغلبية الناس اعتادوا أن يروا حصتهم مسروقة في كل شيء، فربما يختلف الأمر بالنسبة لموضوع الماء لأنهم يستطيعون الحياة من دون وسائل الرفاهية، لكن لا يمكنهم العيش من دون الهواء والماء، والاستهتار الرسمي في إدارة مورد كهذا لن ينتج إلا المزيد من الاحتقان والشعور بالغصّة.

طباعة

عدد القراءات: 2