كان بحث المقالة أولاً عن المصطلح الذي يحفظ حق الاختلاف للمبدع، تبدو كلمة مبدع غير دقيقة لأن نوبل أبدع مرتين مثلاً!، إذاً ما هو المصطلح الذي يعبّر عن أولئك «غير التقليديين»؟ هنا يخوننا التعبير كذلك، لأن الخروج عن التقاليد لم يكن دائماً إبداعاً، قبل هذا وذاك، نسأل: لماذا التقسيم أصلاً؟.
لنقل وليس من باب تجميل المفاهيم: إن ما نبحث عنه ليس «تقسيماً» برغم أن الإنسان في الحقيقة لم يتوقف عن التقسيم حتى يكاد يصح القول «الإنسان مفطور على التقسيم»، والأكيد أنه أخطأ كثيراً في الأسس (العرقية أو الطائفية أو الطبقية) التي اعتمدها في التقسيم، برغم يقينه أن الأخلاق ليست وقفاً على دين أو عرق، وبرغم أن تعصبه في التقسيم خلق أو دفع بعض الذين تطرفوا في محاربة التقسيم إلى الدعوة الإنسانية ككل، مع علمهم أن الدعوة الإنسانية، لا تفرز الإنسان إلا عن بقية المخلوقات الأرضية، إذا كيف يمكننا فهم ما يجري؟ ثانياً، وأولاً: كيف نحافظ على حق التفرد من أجل الإبداع؟ السؤال الأول للمقالة.
إذاً–ولو من باب المجاز- لتكن الدعوة هنا فقط، وهذه المرة، إلى معرفة «التصنيف» من باب عزل المتغيرات، كعادة الأطباء الذين يعمدون إلى فهم الحالة المستعصية أمامهم، فيعرفون أين الخلل، ويميزون العَرَض عن المرض، ثم يقدمون الحل، والحلول المختلفة باختلاف الحالات.
أو لنسميه تمييزاً، فالتقسيم من أعمال «الماديين»، نميز ونمايز لنعرف سبب الويلات التي يعانيها الإنسان في المجمل، وهل حقاً الفروقات (الجنسية، العرقية، الطائفية، الطبقية أو حتى القومية) هي السبب؟ أم أنها ستار يختبئ خلفه الإنسان المتسلط؟، ومن ثم من يريد المتسلط أن يواجه؟، وهل المتسلط يمارس سلطته بالأصالة أم بالوكالة؟، -لذلك تبدو مفردة التسلط غير دقيقة-
يطرح اريك فروم مقابلاً للإنسان المتملك، الإنسان الكينوني، وهذا لا يعني أن الأخير يواجه الأول، أو إنه في صدام معه، أو ربما، هو يصطدم معه لكن على أساس القيمة (الحق، الخير، الجمال) لا المصالح الآنية، من دون أن يتجلى الصدام في شكل معارك تشغل البشرية، كما تشغلها حروب الإنسان المتملك نفسه مع نفسه!.
في كتابه «الإنسان بين الجوهر والمظهر»، يقدم فروم هذا الفرق في صور متعددة، مما يصب في خانة عدم صحة الدعوة الإنسانية، ومما يدل على خطأ في الترجمة، فالإنسان ليس في صراع بين الجوهر والمظهر كما قدمته المنظومات الماورائية على الصعيد الفردي، بل على الصعيد الإنساني ككل، وهذا قد يدل كذلك على أن فروم ليس صاحب الريادة في هذه الدعوة، ولكنه قد يكون، صاحب السبق في تقديمها كمنظومة فكرية واحدة.
لكن!، ما الذي يجعل هذا «التمييز»، مختلفاً عن أنماط الشخصيات التي قدمتها سوزان كويليام في كتابها «الدوافع المحركة للبشر»، على أساس أن هذه الدوافع كـ«الترغيب والترهيب» مثلاً، أو طريقة التعاطي مع الأمور «بالتفصيل أم بالمجمل»… إلخ من «التصنيفات» التي اهتمت بها البرمجة اللغوية العصبية؟ هي التي تتحكم بالإنسان.
في الحقيقة تبدو هذه التقسيمات محاولة لحشر الكينوني في قوالب صَب مادية، ليتعلم بطريقة السكب الخارجي، كما هي أنظمة التعليم عندنا، بينما تكون المعرفة عنده منبثقة من الداخل، وتحتاج لشرط أن يدركها الكيان كله، وإلا فهي تقع في شبهة التلقين والبرمجة».
أما عن المواجهة بين المتملك والكينوني فالجواب: في النسبة بينهما التي هي واحد إلى الألف وقد تزيد، ولهذا المنطق السائد هو المنطق المادي، والكينوني مغيب بالقوة، ولذلك حذر جان كوكتو من «الخلط بين الحقيقة ورأي الأغلبية».
إذاً الكينوني لا يُقصد بالحرب بذاته إلا عندما تكون الإدانة ماثلة للمادي، فالمادي يريد أن يخرج من «المعوصة» التي وضع نفسه فيها.
بين المادي والكينوني.. أقصى الحالتين هو «ترامب» فهو الأنموذج الأكثر «تطوراً» للمادي..كأنموذج وصل لقيادة العالم المادي بفعل ما سنّه عبر التاريخ من قوانين وأنظمة وأفكار تتحكم بمفاصل الحياة ..وتسيره على سراط ماديته فلاتحيد . ترامب …المادي بوجهه السافر أخيراً..الأخرق الذي يخاطب العالم بتغريدات بلهاء كتسريحته..هو آخر ما يمكن أن يصل إليه المادي، والمادي في أقصى حالات ضعفه يقترب من الكينوني، ويعود إلى القيمة، لكنه لا يصبح كينونياً، إنما يرتد إلى تملكه في حال تغيرت الحالة أو انتقلت إليه قدرة في لحظة موالية أو تالية! «من هنا يمكن تفسير التوحش الذي كان مختبئاً عند الضعفاء». والتوحد لجهة الكينوني هو أقصى حالات تطوره، والذي لا يخاطب إلا مع من يخاطبه بلغة المحبة، وبينهما يعيش الكينوني اغترابه ودهشته..شارد البال..حالم..بملل لايكاد يفارقه..وسط عالم يعج بماديين يعلمون أنهم لا ولن يلاقوه في الوعي أقله في حياة واحدة …وكأي كائن حي يسعى إلى حل مشكلاته ..لجأ المادي في ستر نقصه..إلى حيل بصرية وأخرى دماغية ..ساعده في ذلك التطابق الشكلي بينه وبين الكينوني..منها حيل الجذب الخارحي، الإبهار البصري القائم على الاستثارة الحسية الحيوانية التي تلغي كل تفكير، وفي السلوك خلق منظومة كاملة من القوانين والأنظمة والمؤسسات الاجتماعية والتعليمية والإعلامية …لغاية واحدة لاغير …هي تقويض الكينوني…وسحبه إلى عالم يخمد طاقته ..فيتساوى مع محدودية المادي الذي صاغ «حقيقة» تشوش على الحقيقة ..
بقي في الختام أن أشير إلى أن الإجابات الواردة في المقال ليست لي بل من شخصية كينونية، رغبت أن تبقى غير مرئية، كعادة الكينونيين الذين يرغبون في الحرية قبل أي شيء آخر.

طباعة

عدد القراءات: 3