منذ أعلنها الراحل فهد بلان «يحرم عليّ أبدلك بالغير» والتشابه يطغى على المنتج الغنائي السوري إلا ما ندر، ألحانٌ وكلمات في تتابع سهل حدّ اللامبالاة دونما اعتراف بزمان أو مكان، وأصواتٌ اختلط عليها الأمر بين الغناء و«القرقعة» نائية بنفسها عن أي خصوصية، ليغدو البحث عن فرادة أو ندرة تجعل من أغنية ما توليفة تتحد فيها مدن وقرى وانتماءات، بحثاً عن إبرة في كومة قش!.
في النصف الثاني من ثمانينيات القرن العشرين أطلق بلان أغنيته «ع البال بعدك يا سهل حوران»، واستطاعت في تلك المرحلة إحداث فرق كبير عما سبقها من أغانٍ ريفية، والتي غالباً ما حكت عن مواسم الحصاد والزواج المحسوم بين أبناء العمومة إلى غربة الأحبة، لكن الأغنية القادمة من الجنوب السوري، حملت نكهة ريفية خاصة عُرفت عن كاتبها وملحنها الراحل سعدو الديب، الذي قدّم مع بلان ثلاث عشرة أغنية، حتى إنهما كانا على موعد مع مشروع وطني يشمل المحافظات السورية، بدأ في السويداء «مسقط رأسيهما» بأغنية «غالي علينا يا جبل» ثم في دير الزور بأغنية «سلامين»، ليتوقف مع رحيل بلان.
هكذا يبدو المشهد اليوم خالياً من كتّاب وملحنين مادتهم اللهجة السورية بموسيقاها الخاصة في كل منطقة، لنفقد مثلاً الأغنية الشرقية بشكل شبه نهائي، والتي وصلتنا مع الراحل دياب مشهور في زمن سابق، وهو ما ينطبق أيضاً على الغناء الحموي الذي وصلنا الكثير منه عبر نجيب السراج، في حين وقعت الأغنية الجبلية الساحلية في مطب تكرار الكلمة واللحن منذ أعوام، وبرغم كثرة الكتابات المحذّرة والرافضة لهذه الإشكالية، لا يبدو أنها ستستعيد شيئاً من تميزها بل إن البعض وجد في ذلك انتعاشاً يستحق الدعم! وفي النتيجة يقتصر الغناء المناطقي حالياً على تراث قديم ربما يندثر إن لم يجد من يحييه أو ربما يحظى به بعض المجددين الذين لا يعبؤون دائماً بفرادته أمام سعيهم لنشره والانتشار عن طريقه!.
انحسار الأغاني القادمة من البيئات والمحافظات السورية، انعكس بطبيعة الحال على الأغنية السورية التي وصلت في سنوات ماضية إلى الجمهور العربي، ومع فائض ما تعانيه اليوم، أذكر ما قاله الملحن الراحل سهيل عرفة في مشاركة له في ندوة «كاتب وموقف» بأن السوريين يميلون لما يقدمه لهم الآخرون، على مبدأ (مزمار الحي لا يطرب)، مؤكداً أن الوساطات هي التي أوصلت من لا يستحقون من ملحنين وكتّاب ومطربين على حساب الكفاءات، والنتيجة تتحدث عن نفسها!.

طباعة

عدد القراءات: 1