1
تتعدد أسباب اللجوء إلى الاسم المُستعار في عالم الثقافة والفن، حتى إن الاسم المُستعار غالباً ما يطغى على الاسم الحقيقي، ويُنسى الأخير تماماً في حالات كثيرة، وإذا كان الاسم المُستعار في عالم الفن غالباً ما يتم اختياره لسهولة الحفظ، أو لأن الكنية في الاسم الحقيقي غالباً غريبة أو مُخجلة، ولذلك كان اختيار اسم مُستعار سلس وسهل الحفظ ويستمر في الذاكرة..
لكن الأمر يختلف في عالم الثقافة، ولاسيما في الساحة الأدبية التي عرفت الكثير من الأدباء الذين غيروا أسماءهم الحقيقية بأسماء مُستعارة، والذي غالباً ما تكون خلفه قصة وحكاية تبدأ من التراجيديا، وحتى الفكاهة..
2
لكن قبل أن نتحدث عن قصص الأسماء المُستعارة لنعترف بأن هامش حرية التعبير في العالم العربي كان ولايزال ضيقاً رغم كل هذا الحيز الذي أطلقوا عليه جزافاً «افتراضي» وأقصد ما أتاحتّه «الميديا» الجديدة من وسائل التواصل الاجتماعي والإلكتروني، والذي أمسى شاسعاً مقارنة بما كان مُتاحاً قبل ذلك..
ومع ذلك فقد ذهب رواد مواقع التواصل إلى عادة كان يلجأ إليها أصحاب الكتابات الورقية في حينٍ بعيدٍ من الزمن، وذلك باستخدام أسماء مستعارة حتى يتمكنوا من ممارسة حريتهم ونقدهم اللاذع وأحياناً الجارح والمتطرف بكل حرية.
3
في الغرب على سبيل المثال، ومنذ بداية القرن الماضي، كانت الأسماء المستعارة تشكل «نخبة» ثقافية ضرورية للتحايل على القوانين خاصة قوانين الجوائز.. فـ«رومان غاري»، واسمه الحقيقي «رومان كاسو» نال جائزة «غونكور» بفضل اسمين مختلفين في حياته وذلك سنة ١٩٨١، وهذه الجائزة مثلاً من أهم شروطها أنها لا تمنح لأي كاتب مرتين.. لكنها لا تشترط إدلاء بطاقة التعريف حتى يترشح لها شخص ما، لأن من يُرشح «الكتاب أو المطبوع» هيئات مستقلة مثل دور النشر أو النقاد أو الصحافة أحياناً، ورقم مبيعات الكتاب، وعدد طبعاته التي تكون أرقامها شفافة وموضوعة تحت رهن الجمهور وخاضعة للضريبة ومراقبة وزارة المالية الفرنسية.. مثلاً الكاتبان الإيطاليان ألبرتو مورافيا وجيروجيو باساني، اختارا اسمي البرتو بينتشرلي وجيورجيو مارتشي هرباً من الرقابة الفاشية.
4
في كلِّ الأحوال، في الأدب ثمة معايير وأبعاد أخرى، وللأسماء المستعارة موازين تتلاعب بنجاح العمل أو فشله… جورج إليوت، ا.م.برنارد، هاربر لي، جورج ساند وغيرها من الأسماء ما كانت إلا تذكرة للوصول إلى النجاح الأدبي، وشخصيات وهمية أوجدتها أقلام نسائية، لتتكفل هذه الأسماء المستعارة بضمان وصول العمل الأدبي إلى أيدي القرّاء.. «ستيفن كينغ»، على سبيل المثال، كتب عدداً من رواياته باسم ريتشارد باشمان، وتمكن بذلك من تجنّب شروط ناشره بعدم نشر أكثر من كتاب واحد سنوياً..
الأسماء المستعارة في الأدب الغربي الحديث والمعاصر خُلق معظمها للتحايل على القوانين الأوروبية في الجوائز وللاستفزاز أحياناً، ويبقى الكشف عن صاحبها سبق «صحفي» محض، وليس بوليسياً، ولا يعد جريمة، لأن الكاتب الذي اعتمد اسماً مستعاراً ليس في نيته ربح الجائزة المالية، بل إيصال فكرته والانتشاء بالانتصار العلمي والأدبي، وهو من يرفع شعار: القوانين وضعت لتخترق.
5
أما لماذا الاسم المُستعار؛ فالكاتب هنا يُرسل نوعاً من الاحتجاج عن منظومة قانونية تحاول أن تمنح جوائزها مساواة بين كل الأقلام، كيفما كانت.. كما نجد من بين الأدباء العرب الجزائري «محمد مولسهول» الذي اعتمد في بداياته اسم زوجته «ياسمينة خضرا»، ولم يكشف هويته الحقيقية إلا عند انتقاله إلى فرنسا.
مشكلة البلدان العربية أنه تهمها معرفة الهوية الشخصية «للكاتب أو الكاتبة» ولأي جهة ينتمي وما ديانته وأصله ونسبه، وهي ممارسات بوليسية تحد من الإبداع، فـ«تخوين» شخص ما شعار مجتمع حتى يُثبت العكس.. عدم الشعور بالحرية عجل بظهور أسماء عربية هي الأخرى حاولت أن تجد لها موطئ قدم في الساحة الثقافية وخاصة الأسماء النسائية بسبب «ذكورة» المشهد الثقافي العربي مثل: يمنى العيد الناقدة اللبنانية المشهورة واسمها الحقيقي هو: حكمت المجذوب الصبّاغ.. هذه السيدة مثلاً كان الخوف على حياتها أحد الأسباب التي دفعتها للتخفي، والكل كان يعرف ظروف لبنان وجرائم العدو الصهيوني، وانتماءها للحزب الشيوعي اللبناني والطائفية اللبنانية..
6
كنت قد أجريت مرةً مع الروائي الجزائري المعروف بـ«ياسمينة خضرا» حواراً في مكان إقامته في باريس، وياسمينة خضرا، اسمه الأدبي، أو المستعار، لـ«محمد مولسهول» كما ذكرنا سابقاً، هذا الأديب، الذي ربما هو من أكثر الكتاب العرب انتشاراً في أوروبا، وفي ذلك الحوار المطوّل كنت سألته: لماذا تكتب وتوقع رواياتك باسم امرأة، فذكر لي: ياسمينة خضرا؛ هو اسم زوجتي، اضطررت لاتخاذه اسماً أدبياً لأنني حين بدأت الكتابة كنت ضابطاً في الجيش الجزائري، وكان يُمنع على عناصر الجيش الخوض في غمار الفن والأدب، ومن ثم غلب الاسم الأدبي على اسمي الحقيقي، وكان أن اعتمدته لكل ما كتبت فيما بعد.
7
وياسمينة خضرا الذي اشتهر بالاسم الأدبي حتى غاب الاسم الحقيقي وإلى الأبد، ليس نسيج وحده، بل هذا ما حصل مع الكثير من المبدعين بمن فيهم السوريون أيضاً، فالشاعر السوري أمير سماوي على سبيل المثال، وهو اسمه الأدبي الذي غلب على اسمه الحقيقي في السجلات الرسمية، وهو المحامي رجب علي، حتى إنه ينزعج كثيراً إذا ما تمّ ذكر اسمه الحقيقي خلال الكتابة عنه، وهناك الشاعرة «لينا دباح أحمد» المشهورة بالاسم الأدبي سراب العمر أحمد، وحكاية الاسم الأدبي للشاعر أدونيس الذي شغل العالم منذ أكثر من سبعين عاماً، حكاية أشهر من نارٍ على جبل في جغرافيا الثقافة والإبداع في العالم كله.. ففي بداية حياته الأدبية كانت المجلات الثقافية ترفض نشر مواده باسمه الحقيقي (علي إسبر).. لكن عندما كان يرسل نصوصه باسم غامض (أدونيس) وهو اسم لأحد الآلهة السورية القديمة؛ كانت تنشر نصوصه بسهولة إلى أن غلب الاسم المستعار، ولم يعد يذكر بالاسم الحقيقي نهائياً..
8
كما أن لقب «بدوي الجبل» غلب على الاسم الحقيقي للشاعر محمد سليمان الأحمد (1900- 1981) والمعروف أن هذا اللقب «بدوي الجبل» كان قد أطلقه عليه يوسف العيسى صاحب جريدة «ألف باء» الدمشقية في عشرينيات القرن الماضي.. وللبدوي شقيقة لم تُعرف في الساحة الثقافية غير بلقبها (فتاة غسان)، وهي من أوائل النساء اللواتي كتبن القصيدة بدايات القرن العشرين، فاطمة سليمان الأحمد (1908- 1985)، وكانت رائدة من رواد عصر النهضة، لم تتردد في خوض معركة التنوير، ناشرة الوعي والفكر الاجتماعي والسياسي في آن واحد.
ولفتاة غسان قرينة مصرية هي عائشة عبد الرحمن المعروفة ببنت الشاطئ (1913- 1998)، مفكرة وكاتبة وأستاذة جامعية، كانت أول امرأة تحاضر في الأزهر، ومن أوليات من اشتغلن في جريدة الأهرام. كانت عائشة عبد الرحمن تحب أن تكتب مقالاتها باسم مستعار؛ فاختارت لقب بنت الشاطئ لأنه كان ينتمي إلى حياتها الأولى على شواطئ دمياط التي ولدت فيها، حتى توثق العلاقة بينها وبين القراء وبين مقالاتها التي كانت تكتبها في جريدة الأهرام، وخوفاً من إثارة حفيظة والدها كانت توقع باسم بنت الشاطئ، أي شاطئ دمياط الذي عشقته في طفولتها.
9
ومناسبة الحديث عن الاسم الأدبي هي الظاهرة المُحيرة اليوم في انتحال اسم مُستعار على صفحات مواقع النشر الإلكترونية بما فيها صفحات «الفيسبوك»، مع أن المُتحكم بالنشر على صفحة «الفيسبوك» هو صاحبها، بمعنى إنه ليس مُضطراً لسلوك سابقيه باستعارة اسم للتحايل على الناشر هنا حيث تكثر أسماء: ندى الأقحوان وهمسة المطر وغيرها.. وأطرف هذه القصص «الاستعراضات البطولية» للشاب قُتيبة؛ الذي اشتهر على المواقع الأدبية باسم الشاعرة ساندي إبراهيم، التي كتب باسمها بعض المواد التي تناولت قصصاً وشؤوناً محلية ولاسيما على موقع «قلم رصاص»، بمعنى أن موقع قلم رصاص الذي أباح له بحقيقة اسمه متوسلاً الفضيحة؛ كان نفسه قد وقع ضحية الاستعراض النسوي لساندي خانم، الذي كان يسرق ما تكتبه الشاعرة رند رومي التي هي أيضاً تكتب بدورها باسم أدبي أو مستعار، وهي تكتب بالاسم الأدبي كما قالت لي «كنوع من أن اختبر رأي الناس بما اكتب بتجرد عن الشكل والمعرفة الشخصية»…

طباعة

عدد القراءات: 3