بعد 41 يوماً من القرصنة السياسية المعلنة في مضيق جبل طارق, رضخت بريطانيا أخيراً لمنطق قوة إيران وموقفها على الساحة الدولية, وتم الإفراج عن ناقلة النفط الإيرانية «غريس1» في خطوة تعد انتصاراً كبيراً للدبلوماسية الإيرانية التي أدارت الأزمة بقوة وصلابة وحنكة, فقد تعاملت منذ البداية حيال هذه القرصنة بسياسة العين بالعين والناقلة بالناقلة.. سياسة أثبتت مجريات الأحداث أنها اللغة الوحيدة التي تفهمها ليست بريطانيا فحسب وإنما جميع دول الاستكبار وفي مقدمتها أمريكا.
لم يعد سراً أن إفراج سلطات جبل طارق عن الناقلة بقدر ما يعد انتصاراً لإيران بقدر ما يعد هزيمة مرّة بالنسبة لواشنطن التي حرّضت بريطانيا بداية على احتجاز الناقلة, ومن ثم عرقلت هذا الإفراج عندما تقدمت بطلب رسمي لتمديد فترة احتجازها, في محاولة قرصنة واضحة خاصة بعد أن فشلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتحقيق أهدافها عبر الإرهاب الاقتصادي الذي تمارسه على إيران.
لا شك أن عدم امتثال بريطانيا و سلطات جبل طارق للطلب الأميركي بتمديد احتجاز الناقلة يمثل صفعة قوية لواشنطن من أقرب حلفائها، واقع الحال الذي يجعل واشنطن تغرد وحدها في سرب تشكيل ما تسميه «تحالف لتأمين الملاحة البحرية» في مضيق هرمز, خاصة أن واشنطن أوشكت أن تكون في عزلة عن العالم وغير قادرة على تشكيل أي «تحالف» مع حلفائها الذين بدؤوا يَنفَضّون الواحد تلو الآخر من حولها تحاشياً لسياسات ترامب التصادمية المتهورة وحفاظاً على مصالحهم في المنطقة.
الإفراج عن الناقلة يمهد الطريق أمام عملية إيرانية مماثلة لإطلاق سراح الناقلة البريطانية «ستينا إمبيرو»، وهنا تبدو الدبلوماسية الإيرانية ناجعة إلى حد معقول في أزمة مضيقي هرمز وجبل طارق حين ضيقت إستراتيجيتها بحدود ناقلة مقابل ناقلة، فقالت على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني «تحتجزون فنحتجز، تفرجون فنفرج».
وعليه, فإنه كما رضخت بريطانيا للتهديدات وتم الإفراج عن الناقلة الإيرانية، فإنه من المتوقع أن ترضخ إدارة ترامب هي الأخرى في نهاية المطاف, وتعود مجدداً إلى الاتفاق النووي وترفع العقوبات الاقتصادية الجائرة عن إيران، لأنه بات من المعلوم اليوم للجميع أن إيران رقم صعب في السياسة الدولية وأن الخِيارات الأخرى المتاحة أمام واشنطن غير الرجوع إلى الاتفاق النووي ستكون مكلفة ومدمرة لها ولقواعدها ولكل من لف لفها في المنطقة وفي العالم كله.

طباعة

عدد القراءات: 1