في الساحة التي تتوسط عدداً من الأبنية، وقف جارنا وهو رجل ستيني يحمل في يده «مكنسة وسطل ماء»، وحوله التف عدد من الأولاد- بنات وصبيان- تراوحت أعمارهم بين 12 و16 سنة، وقد أحضر كل منهم من بيته ما تيسر له من أدوات التنظيف، وبكلمات رقيقة وفيها الكثير من الحب والحنان بدأ الرجل بتوجيههم لتنظيف الحارة من الورق وأكياس النايلون والشيبس وزجاجات العصير ومخلفات مفرقعات العيد وغيرها من الأوساخ والأتربة التي توسدت في جنبات الساحة وأمام مداخل الأبنية.. ولم تكد تمضي ساعات قليلة حتى غدت الحارة نظيفة وجميلة، أهالي الحي أعجبوا بما رأوا وأعجبتهم الفكرة، أما أهالي الأولاد فأحسوا بالسعادة والفخر بالعمل الذي قام به أبناؤهم مع جارهم وأقرانهم الذين لم تكن بينهم قرابة أو صداقة، فقد جمعتهم روح الفريق ورسمت على وجوههم وأيديهم الصغيرة ملامح جمالية العمل الجماعي.. ومن خلالها شعروا بقيمة العمل التطوعي وما فيه من فائدة تعود عليهم أولاً وعلى بيئتهم ومحيطهم ثانياً.
تجربة أو فكرة أو مبادرة أو «سموها ما شئتم» ذلك الرجل الذي أفنى حياته في العمل وهو اليوم متقاعد وأولئك الشباب المتطوعين الصغار، لابد من أن تعمم من قبل الجهات الأهلية ولجان الأحياء، ففيها إيقاظ لبذرة الخير وحب العمل والعطاء الموجودة داخل كل منا من جهة، ومن جهة ثانية فيها نفض لغبار الكسل وابتعاد عن الاتكالية وانتظار عمال النظافة الذين نقدم لهم كل التحيات والتهنئة بعيد الأضحى المبارك، فهم وكما غيرهم من القطاعات يعملون في العطل الرسمية من أعياد وغيرها، بينما البقية يمضون أيام العطلة في الرحلات الترفيهية و«المشاوير» مع العائلة والأصدقاء.
يوم العمل التطوعي الرائع، اختتمه جارنا باستراحة بسيطة على الرصيف وتقديم «كاسة شاي» جاءت كما قال أحد أعضاء الفريق التطوعي في وقتها تماماً، فقد أنعشتهم وكانت شريكة حديثهم الذي طال وهم ينظرون بفرح إلى أدوات التنظيف تارة، وإلى الشارع ونظافته تارة أخرى، ليتفقوا على تخصيص الجولة القادمة من العمل لزراعة عدد من الأشجار على مداخل الأبنية التي تشكل مجتمعهم الصغير.. أجمل عبارة قالها جارنا الستيني عندما اقتربت منه لأشكره وأخبره عن رغبتي في نقل ما قاموا به من عمل جاد ومهم في آخر يوم من أيام عيد الأضحى المبارك على صفحات جريدة «تشرين» التي تحرص على مواكبة أي مبادرة مجتمعية: «ياعمو عملنا هذا أقل من الواجب، هو غرسة صغيرة سوف تكبر فيهم تدريجياً لتشكل درساً في حب الوطن وتعزز معنى الانتماء والمواطنة وغيرهما من القيم العظيمة في نفوس الأجيال القادمة، فهؤلاء الشباب هم المستقبل وهم البناة والأمل وعليهم تقع مسؤولية إعمار وطننا الغالي، وجل ما يحتاجونه الدعم والتشجيع واستثمار إمكاناتهم وطاقاتهم ومهاراتهم وملء أوقات فراغهم بالشكل الأمثل والأفضل.

طباعة

عدد القراءات: 1