هل تأملت اللوحة الصغيرة التي تضعها على استعجال في جيبك وتكون على استعداد للتخلي عنها مقابل أول سلعة تحتاجها, إنها عملتك السورية التي تروي لك في كل إصدار قصة جميلة عن تاريخ الأجداد ونضالهم عبر سنوات طويلة للحصول على استقلال إصدارهم لعملتهم.
هناك الكثير من المحطات التي توقفت عندها العملات السورية لكن ورقة الخمسمئة ليرة السورية القديمة كان لها الحظ الأوفر من الجمال والفن ما دفع بعض المواقع المتخصصة بالأوراق النقدية إلى تصنيفها من ضمن أجمل أوراق النقد في العالم حسب موقع (best banknotes) الذي تحدث فيه عن جمال العملة السورية من فئة الـ 500 ليرة القديمة التي يزينها رسم الآلهة «عشتار» تطعم طفلين والتي تعود لعام ١٩٩٢. حسب تاريخ أم الطربوش, كما يسميها السوريون, فقد صدرت أول مرة بتاريخ 1958, وصدر منها لاحقاً بعدة تواريخ كان آخرها عام 1992.
وارتبطت هذه العملة كما كان الحال في ذلك الوقت بالدولار الأمريكي ارتباطاً وثيقاً، بعد أن كانت مرتبطة بالجنية الإسترليني خلال الحرب العالمية الثانية وقبلها بالفرنك الفرنسي.
وفي زمن إصدارها الأول (1958) كان كل دولار أميركي يساوي 2,2 ليرة سورية.
وسبب تسميتها «أم الطربوش» هو صورة الرأس الظاهرة على وجهها وعليه ما يشبه «الطربوش»، وفي الحقيقة هو وجه «أمير كنعاني» من مدينة أوغاريت في رأس شمرا في سورية، وفي وسطها «الربة حتحور» ترضع طفلين ملكيين. أما على ظهرها فتظهر «رقم» أبجدية رأس شمرا، وفي الوسط حشوة مستديرة مزخرفة برسوم الحيوانات من آثار أوغاريت القرن 15 – 13 ق.م.

«مال قارون»
وبالعودة الى بدايات ظهور العملات في التاريخ, يلفت المؤرخون أنه ليس هناك تأريخ دقيق لبداية استخدام العملة كما نعرفها اليوم، لكن تُشير التقديرات إلى أن النماذج البدائية منها ظهرت قبل نحو ثلاثة آلاف عام، حين حوّل الصينيون المواد التي كانوا يقايضون بها مثل الفؤوس والسيوف والبيض وجلود الحيوانات إلى نسخ مصغّرة مصنوعة من البرونز، قبل أن يحوّلوا هذه النسخ إلى قطع دائرية الشكل، ومن دون حواف حادة، حتى لا تؤذي حاملها.
وقد استغرق العقل البشري نحو سبعة قرون حتى تمكن من سكّ أول نقود معدنية رسمية، في إمبراطورية ليديا الواقعة في تركيا، واستخدموا في صناعتها مزيجاً من الفضة والذهب، وتم تمييزها بصور تحدد فئتها.
وبذلك أصبحت ليديا إحدى أغنى الإمبراطوريات في ذلك الزمن، لأن النقود المعدنية سهّلت وسرّعت حركة التجارة، ووفرت الوقت في البحث عن مواد مقايضة يرضى بها البائع والشاري, البيع. أما الملك الذي حدثت في عهده هذه الثورة الاقتصادية، فقد سمّاه العرب «قارون»، وإليه يُنسب التعبير الشعبي «مال قارون».
ولأن ليديا برزت على الساحة منافساً قوياً، كثّفت الصين جهودها حتى توصلت في القرن 11 ميلادي، إلى استخدام النقود الورقية التي كُتب عليها تحذير بأنهم سيقطعون رؤوس المزورين.
ومنذ ذلك الحين بدأت الدول بتناقل هذا الاختراع، والاستفادة منه وتطويره، بل أصبح مجالاً جديداً للصراع وشكلاً متقدماً من أشكال الحرب.
ويذكر تاريخ سورية استخدام العملة بشكل واضح منذ فترة الحكم العثماني، واستُخدمت الليرة العثمانية الذهبية والفضية بشكل رسمي حتى عام 1888, ثم أصدرت أوراق مالية لكنها فقدت قيمتها عام 1918.
استخدم السوريون أول مرة الأوراق النقدية من فئة الجنيه المصري المطبوع في بريطانيا، ومن هنا جاءت تسمية النقود بـ «المصاري» أو «المصريات» نسبةً لمصر.
في فترة الانتداب الفرنسي صدرت الليرة السورية التي تم استعمالها في لبنان أيضاً، لكن على أن تكون تابعة للفرنك الفرنسي، ولم تنفصل الليرتان السورية واللبنانية عن بعضهما إلا عند تجديد الاتفاقية مع فرنسا عام 1939, ولاعتبارات استراتيجية بين القوى الاستعمارية، تم ربط الليرة السورية في فترة الحرب العالمية الثانية مع الجنيه الإسترليني، الحليف للفرنك الفرنسي، قبل أن يتم ربط الليرة السورية بالدولار الأمريكي عام 1947.
وبعد ست سنوات أصدرت مؤسسة النقد السورية أول ليرة مستقلة عن فرنسا، والتي استمرت في تطويرها حتى اليوم.
وحين كانت الليرة السورية مرتبطة إدارياً بالحكومة الفرنسية خلال فترة الاحتلال الفرنسي بقي ارتباطها بعد حصول سورية على الاستقلال وكان يتم ذلك عن طريق مصرف سورية ولبنان بوجود توقيع الرئيس بوسون على الإصدار, ولكن مع وضع توقيع مدير شعب سورية على اصدار النقد كان آخر إصدار للعملة الورقية لمصرف سورية و لبنان عام 1949م.
من ثم تم إصدار أول ليرة سورية مستقلة عن الإدارة الفرنسية عام 1953م بعد أن مرت الحكومة النقدية بمراحل تأسيس متتابعة حتى عام 1957م.
أول ليرة سورية 1953
ومع صدور أول ليرة سورية عام 1953 تم وضع توقيع الحاكم (حاكم المصرف المركزي) وتوقيع وزير المالية في البداية أي في اصداري 1953 م – 1957 م ومن بعده تم اعتماد توقيع وزير الاقتصاد و بعد ذلك تم إصدار عملات معدنية من فئات القروش 2,5 – 5 – 10 – 25 – 50 قرشاً.
فئات «القرش» السورية المعدنية
إضافة إلى اصدار فئات القروش السورية صدرت العملات الورقية من فئات 1 – 5 –10 – 25 – 50 – 100 – 500 ليرة
وقد قام المصرف المركزي باعتماد سياسة سعر الصرف الثابت, إذ قام بتسعير الدولار 3,65 مقابل الليرة في عام 1976 م ومن بعد ذلك تم تعديل السعر حتى وصل إلى 11,25 ليرة للدولار الواحد في عام 1989م.
وأصبحت في التسعينيات 48,5 ليرة مقابل الدولار, وكان إلى جانب ذلك سعر الصرف المتعدد.
وفي مطلع عام 2000 م تم اصدار عملات سورية ورقية من فئة 200–1000 ليرة سورية إضافة إلى ذلك تم طرح إصدارات جديدة من بقية الفئات وقد تم الاستغناء عن فئات النقود الورقية المساعدة 1– 5 – 10–25 ليرة وذلك بصكها معدنية إضافة إلى الليرة والليرتين وبقي ربط الليرة السورية بالدولار الامريكي سارياً حتى جاء قرار بفك الليرة عن الدولار الأمريكي وربطها بسلة عملات, وإحداث حقوق السحب الخاصة في آب من عام 2007 م اليورو – الين – الجنيه الإسترليني والدولار وذلك بأوزان متفاوتة وفيما بعد عام 2010 تم إصدار فئات 50 – 100 وفئات أخرى وتم المرور بسياسات صرف أخرى.
لقد جسدت العملات السورية تاريخ كفاح الشعب السوري ورغبته في الاستقلال اقتصادياً ومالياً عن الدول التي حاولت عبر التاريخ, وفي كل مراحله, السيطرة عليه, وبقيت الليرة السورية حتى الآن مصدر فخر واعتزاز للشعب السوري.

طباعة

عدد القراءات: 3