أستسمح القراء عذراً لاستخدام كلمة فجة بالعنوان؛ ولكن… يأتينا رمضان؛ فتتعـطل المصالح… ثم وقفة العـيد؛ والعـيد.. ويبدأ الموظفون بالتلكؤ قبل العـيد بأيام, مؤجلين كل الأنشطة لما بعـد العـيد.. وينتهي العـيد ويليه بالعـامية «جحش» العـيد؛ وهو الأيام التي يقضيها الموظف بالتثاقل والتململ والاستقبالات قبل أن يعـود لنشاطه الجدي!
حتى في الغرب؛ فقد نصحونا في الولايات المتحدة بعـدم شراء سيارة لنجد في الوثائق أنـّه تم تجميعـها الجمعـة أو الاثنين؛ وقيل في تفسير ذلك: الجمعـة يكون العـامل متلهـّفاً لعـطلة نهاية الأسبوع «الويك إنـد» (وبالتالي عمله قد يفتقر للجدية).. وماذا عـن الاثنين؟ يعـود من العـطلة محبطاً أو فيه آثار الكحووول!
اشتغـل فريدريك تايلور بنظرياته في إدارة الإنتاج؛ وقضى عـمره في التفريق بين تعـبيرين: الإنتاج (وهو السلع التي يقدمها العـامل بشكل مطلق) والإنتاجية (وهي كمية الإنتاج «المقبول من حيث الجودة» مقسوماً عـلى الزمن)!
وهنا يجب أن نتحسر عـلى حالنا؛ فلو أخذنا دهاناً لجدار بيت.. نراه يتلكأ ويراوح فتحسب كأنـه بيكاسو بصدد إنتاج لوحة عـالمية ذات قيمة ثمينة؛ قبل أن يبدأ بعمله.
أذكر كنت مشرفاً على ورشة بناء ضخمة؛ وكنا مضغوطين بعامل الزمن؛ وفي أحد الأيام شرّف «الريـّس» (الذي يفترض أنـه قدوة بالأداء) وفي يومها تصادف أن ليس ضمن مزاجه العـمل؛ صحت به «أبو عـبد الله.. نحن متأخرون للتو؛ ارتدي ثياب العـمل ولنباشر..!».. غـني عـن القول إنه بعـثر زهاء ساعـات مابين تأمل؛ وصنع كأس الشاي (يعملـها بمزاج فني رايق)؛ ووضوء لصلاة الظهر؛ وأداء للصلاة بكل سننها؛ ولم يبدأ العـمل قبل الواحدة بعـد الظهر (ولديه في كمـّه :ألف حجـة وحـجة!)!
نقرأ يومياً عـن انغـماس العـامل الياباني بالعـمل؛ وعـن مرض الهوس بالعـمل (workalkoholic)؛ ونحمد المولى عـلى خلو بلادنا من هذه الآفة اللعـينة!
لاشك في أن ثقافة البلد؛ ومناخه؛ ومآكله؛ وعـاداته.. كلها ترسم طريقة معـينة لأساليب الإنتاج؛ ولكن.. يبدو أنّ استرخاءنا الشرق أوسطي بلغ حدوداً لايمكن تحمـّلها!
كان والدي رحمه الله مديراً لأهم شركة نسيج في سورية بدايـة الخمسينيات؛ وكان جذوة حماس آتياً لتوه من السوربون /باريس؛ وكان ينزعج جداً أمام عمال يتقاعسون عن أداء واجبهم؛ وبلغ ألمه المدى لرؤيته عمالاً نائمين تحت آلة.. وأجرى في أحد كتبه مقارنات بين عاملنا والياباني (عاملين هنا لمراقبة كل نول مقابل عامل ياباني لكل 17 نولاً يتنقل بينها بالزلاجة «الباتيناج»)!
يقاااال: اشتكى أحدهم لصديقه من قلة المردود المالي؛ حتى إنه كان يقوم بثلاثة أعمال.. من 8-3 : موظف دولة؛ ومن 3-8 :محاسب في مؤسسة خاصة؛ ومن 3-8: سائق تكسي.. سأله صديقه بدهشة «ماهذا؟ ألا تنام!» أجاب بهدوووء «ألم أقل لك إنني موظف دولة من الثامنة صباحاً للثالثة بعد الظهر»!
ركز فريدريك تايلور على التحفيز وكان ذلك في عالم 1911؛ وتابع أهمية الحوافز المادية. افترض تايلور أن الموظفين كسالى، ولا يمكن تحفيزهم إلا من خلال الرواتب والحوافز المالية فقط. في العشرينيات من القرن الماضي، ظهرت حركة جديدة تسمى حركة العلاقات الإنسانية تركز على أهمية تحسن العلاقات في بيئة العمل، مثل: تحسين الاتصال بين الموظفين والمشرفين عليهم، وإتاحة مجال أكبر للتحاور وإبداء الآراء, وهذه النظرية مبنية على دراسة أظهرت زيادة بمقدار 30% في الإنتاجية بعد تطبيق التغييرات المذكورة.
ختاماً ربط الأداء بالجودة وبالزمن موضوع قديم وعويص ويحتاج دراسات متأنية؛ وهنا أذكر هذه الحادثة الطريفة في معرض الحديث عنه.
في دولة شيوعية؛ التقى ثلاثة عمال في فترة الخمسينيات من القرن الماضي بالسجن؛ تساءل كل منهم عن سبب حبس رفاقه.. أجاب الأول: «كنت آتي متأخراً للعمل.. اتهموني بالتلكؤ بغية تعطيل الخطة الاقتصادية»؛ قال الثاني: «كنت آتي مبكراً للعمل؛ اتهموني بأنني متسلق أسعى وراء الترقية»؛ قال الثالث: «كنت آتي للعمل على الوقت بكل دقة؛ فاتهموني بأنني أملك ساعة هربتها من الغرب!».. يا ترى عاملنا يندرج تحت أيّ مسمى؟

طباعة

عدد القراءات: 3