لا أحد يستطيع تجاهل الكتلة الاقتصادية الكبيرة والدور الاجتماعي المهم الذي تقوم مؤسسة التأمينات الاجتماعية كجهة حكومية بهذا الحجم المؤثر في حجم الاقتصاد الكلي.
إذ تعد مرفقاً اقتصادياً وتنموياً لا يستهان بدوره في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي عبر الخدمات التي تقدمها لكل العاملين في القطاع العام والخاص والتعاوني والمشترك فيما يتعلق بتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة وإصابات العمل، ولما كان توفير متطلبات التنمية الاجتماعية بكل مكوناتها أمراً لزاماً لتحقيق التنمية الاقتصادية التي تسعى إليها سورية بعد حربها الضروس ضد الإرهاب شهدت الفترة الأخيرة اهتماماً خاصاً بهذه المؤسسة التنموية المفصلية لجهة تفعيل دورها الوطني في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وإيجاد بعدٍ استثماري حقيقي لها يساهم في دعم الاقتصاد المحلي خلال المرحلة المقبلة.
من جديد
إعادة تفعيل عمل المؤسسة بدأ بقرار صادر عن رئاسة مجلس الوزراء نهاية العام الماضي يلزم الصناعيين بتسجيل عمالهم في التأمينات الاجتماعية كشرط للترشح والانتخاب في غرف الصناعة الأمر الذي أدى، حسب مدير عام المؤسسة- يحيى أحمد، إلى تسجيل ما يقارب /281542/ عاملاً من القطاع الخاص منذ بداية شهر أيلول من العام الماضي وحتى نهاية شهر أيار من العام الحالي، في حين بلغ عدد العمال المؤمن عليهم في القطاع العام حتى التاريخ نفسه/1001586/ عاملاً.
توسع
وتالياً، ليس غريباً على دولةٍ تحارب الإرهاب من جهةٍ، وتحاول بشتى الوسائل مواجهة التحديات التنموية التي فرضتها الحرب من جهةٍ أخرى أن تضع تأمين حقوق العمال على رأس أولوياتها، ولاسيما بعد الصمود الكبير الذي أبداه عمالنا خلال الحرب لجهة تمسكهم باستمرار الإنتاج في منشآتهم متحدين الإرهاب وفكره التدميري، وسعيهم الدؤوب لاجتراح الحلول الفنية لإعادة تشغيل خطوط الإنتاج بجهود وإمكانات وطنية في ظل الحصار الاقتصادي الذي أعاق تأمين قطع التبديل، فأثبتوا من جديد أنهم جيشٌ رديفٌ لقواتنا المسلحة في تحقيق الانتصارات النوعية. هذا التوسع في دائرة المظلة التأمينية الذي برز في المحافظات الصناعية الكبرى كدمشق وريفها وحلب ترجمه «أحمد» على أنه انعكاس حقيقيٌّ للتعافي الذي بات يشهده قطاع الصناعة على امتداد القطر نتيجة الدعم الحكومي المقدم لإعادة تشغيل جميع المنشآت الصناعية والاقتصادية، الأمر الذي أثمر عن عودة آلاف العمال إلى معاملهم وخلق فرص عمل جديدة، مشيراً إلى أن عدد المنشآت الصّناعية والتّجارية المنضمّة للتّأمين بلغ حتى نهاية الشهر الرابع من العام الحالي /19580/ منشأةً وسط توقعات بازديادها خلال الفترة القادمة.
توفير الأمان الوظيفي لعمال القطاع الخاص وضمان حصولهم على كامل حقوقهم لم يقتصر على عمال قطاع الصناعة بل امتد ليشمل قطاع التجارة، حيث أصدرت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك قراراً يلزم أعضاء غرف التجارة بتقديم وثيقة صادرة عن «المؤسسة العامّة للتّأمينات الاجتماعية» تتضمّن عدد العمّال المسجّلين لديها ضمن الوثائق المطلوبة للتّسجيل في السّجل التّجاري لأوّل مرّة أو للحصول على نسخ عنه أو عند طلب إجراء أيّ تعديلات عليه، وهو ما سينسحب تباعاً حسب مصادر حكومية على كل القطاعات الإنتاجية مع صدور القرارات الملزمة بتسجيل العمال في التأمينات الاجتماعية بما يضع حداً للتهرب التأميني الحاصل، الخطوات الإسعافية التي وضعتها لجنة رسم السياسات والبرامج الاقتصادية في رئاسة مجلس الوزراء منتصف العام الماضي لتطوير البنية الإدارية والاستثمارية للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وتصويب مسار عملها لتمارس الدور المنوط بها في مجال الضمان الاجتماعي والواقع التنموي والاستثماري تطلبت متابعة حثيثة لواقع هذه المؤسسة وتوفير الدعم الكامل لتفعيل جميع فروع المؤسسة في المحافظات وتزويدها بالكوادر البشرية والآليات اللازمة وتشكيل مجموعات عمل من وزارات المالية والشؤون الاجتماعية والعمل ومصرف سورية المركزي لإيجاد الطريقة الأمثل لتمكين المؤسسة من إدارة استثماراتها المالية وفائض السيولة لديها وتسديد الديون المترتبة على الجهات العامة والخاصة لمصلحة المؤسسة.
شرائح جديدة
مدير العمل المركزي في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل- محمود دمراني ثمن حزمة القرارات الحكومية التي صدرت خلال الفترة الأخيرة، حيث كان الهدف من هذه القرارات توسيع خدمات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية لتشمل شرائح عمالية جديدة وخصوصاً ممن أثقلتهم الحرب بظروفها القاسية، كتعميم رئيس مجلس الوزراء رقم 14/15 لعام 2019 المتضمن شمول عمال الحمل و«العتالة» بالقطاع العام بكل صناديق المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وقرار مجلس الوزراء رقم /18/ لعام 2019 المتضمن تمديد العمل بالقرار المتعلق باعتماد إصابة العمال المؤدية إلى الوفاة للعمال الخاضعين لأحكام قانون التأمينات الاجتماعية الذين يتعرضون لحوادث بسبب الظروف الراهنة .
تعويل
ومع التعويل الكبير على الدور المحوري لشركات ومنشآت القطاع الخاص في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية باتت الحاجة ملحة لتحمل هذا القطاع المسؤولية الاجتماعية الملقاة على عاتقه تجاه عماله، ولاسيما فيما يتعلق بتسجيلهم في التأمينات الاجتماعية بأجورهم الحقيقية ليتمكنوا وأسرهم من الاستفادة من الميزات التأمينية التي تعد من أبسط حقوقهم التي كفلها لهم القانون.
دمراني أشار إلى الآثار السلبية الناتجة عن عدم اشتراك العامل بالتأمينات أو الاشتراك عنه بغير أجره الحقيقي والمتمثلة بانخفاض المستوى المعيشي لأسرة العامل في انقطاع دخل عائلها /المؤمن عليه/ ما يجعلها تعيش في حالة خوف وقلق دائمين من المستقبل وما يحمله من مصاعب في مواجهة أعباء الحياة القادمة من دون أن تكون هذه الأسرة محصنة للمواجهة من خلال شمول عائلها بنظام التأمينات الاجتماعية. وأكد دمراني توسيع النشاط التفتيشي لضمان تطبيق خطة الحكومة في تأمين عمال القطاع الخاص في كل المجالات وذلك من خلال زيادة عدد مفتشي العمل وإشراك مفتشي التأمينات الاجتماعية وممثلي الاتحاد العام لنقابات العمال بالزيارات التفتيشية التي تجريها مديريات الشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظات، وتوفير جميع المتطلبات اللوجستية لهم بما يمكنهم من القيام بمهامهم على أكمل وجه.
أخيراً التوجه الحكومي الجاد لبسط مظلة التأمينات الاجتماعية على كل العاملين في القطاعات الاقتصادية لابدّ من أن يترافق بإجراءات مكثفة للتأكد من التطبيق الفعلي لحزمة القرارات الناظمة لهذا الموضوع حيث يصبح تسجيل العاملين في التأمينات الاجتماعية إجراءً يلتزم به أصحاب العمل طواعية انطلاقاً من إيمانهم بضرورة الاضطلاع بدورهم الوطني في ظل الصعوبات التي فرضتها الحرب وبما يدعم عملية التنمية الاجتماعية التي يعد تحقيقها أحد التحديات الكبرى التي يجب الضلوع بها على التوازي مع تحقيق التنمية الاقتصادية.

طباعة

عدد القراءات: 2