من المعروف في النقد الأدبي أن عبارة النقد الأدبي لا تنطبق تماماً على واقع ثابت فلئن كانت تفيد في الغالب نشاطاً يستهدف الحكم على موضوع معين بحسب سلّم قيمي قد تتنوع طبيعته سواء من حيث قيمه الجمالية أو الإيديولوجية فإنها تدل في معناها الرحب على كل خطاب منتج على الخطاب الأدبي وبهذا المدلول فقط يمكن الحديث عن أنشطة تهدف إلى تأسيس علم للأدب وبالرغم من أنه لا يمكن فصل الشعرية عن هذا المجال إلا أن الأدب هو موضوع لغوي بالأساس ويتعين دراسته بما هو كذلك أي دراسته من حيث الأسلوبية التي تتميز عن الشعرية في كونها أوثق صلة منها بالنقد في معناه المتداول وإذا كان البعض يستصعب النظر الشامل إلى هذين النشاطين من زاوية موسوعية حقاً فليس مرد ذلك فقط إلى اعتبارات كمية من حيث تعذر إحصاء كافة الأبحاث المنتمية إليها بل كذلك إلى اعتبارات كيفية تتعلق بالأسلوبية خاصة.

وبالفعل فقد واكبت كل خطوة خطتها الأسلوبية شكوك تتصل بحدودها الخاصة بل وبوجودها نفسه والأكثر من ذلك هذا النزوع مؤخراً إلى إعادة توزيع ما تم اعتباره أبحاثاً أسلوبية ضمن خانات مستحدثة في حقل المعرفة هذا في الوقت الذي كانت فيه الشعرية تتخلق بخطابها النظري ومقتضياتها المنهجية ولا يعني هذا أنه قد تم الانتقال مما يدعوه المفكر والباحث هنري ميتران الفوضى الغريبة متمثلة في أسلوبيات عدة ليس بينها أي جامع أي الأسلوبية التكوينية وأسلوبية النوايا وأسلوبية الآثار وأسلوبية اللغة وغيرها إلى نوع من الإجماع العام حول موضوع البحث الجديد وإجراءاته ذلك أن أساس هذا البحث نفسه وهو النظر إلى الأدب من حيث خصوصيته اللغوية قد تم وضعه موضع سؤال لا أساسه فحسب بل أيضاً منهجيته لدرجة جرأة البعض على تكرار ما كان يقوله الباحث والمفكر شارل برونو عن الأسلوبية بخصوص ما حدث سابقاً لبرج بابل الذي حال اختلاط اللغات دون اكتمال بنائه.

وبحسب الباحثين يبدو أن تكهن برونو بهذا الخصوص ومقارنته بما يحدث للأسلوبية من مشابهة في المصير قد تحقق إلى حد ما فلا أحد اليوم يدعي انتماءه إلى هذه الأسلوبية التي لم تعد تثير الجدل من حيث إن إعادة التوزيع قد أدخلت نهائياً بعض أنماط البحث التي كان يعتقد سابقاً باستقلاليتها في مدار علوم لغوية أخرى كاالدلالية واللسانيات النفسية والصوتيات في الوقت الذي كان فيه بعضها الآخر حريصاً على الظهور بمظهره الحقيقي أي كونه نقداً أدبياً انطباعياً أو شرح نصوص أو تأملاً جمالياً أو فهرسة مدرسية أو غير ذلك.

طباعة

عدد القراءات: 2