توقف كثير من الأدباء الكبار عن متابعة مسيرتهم الإبداعية في وقت مبكر من العمر، إما لأسباب ذاتية، وإما لنضوب موهبتهم، وإما لأسباب موضوعية جابهتهم.. والأمثلة كثيرة في تاريخ الإبداع… وعلى سبيل الأمثلة، توقف الروائي السوداني الطيب صالح، الذي عاش ثمانين عاماً… ربما الأمر يحتاج هنا إلى وقفة تمجيد للرجل الذي حلّق بعيداً في روايته: «موسم الهجرة إلى الشمال».. كواحدة من أفضل الروايات العربية في القرن العشرين… أتبعها ببعض روايات قصيرة، وبعدها راح صوت الرجل يخفت تدريجياً في مجال الرواية.. وأظن أن (كسر القلم) لم يكن عملاً اختيارياً منه، بل نتيجة إحباطات، أو رياح عاتية كسرت له أجنحته -وهو النسر المحلق- فاستقر على أعلى قمة استطاع الوصول إليها، وراح يرقب خراب العالم العربي، من هناك..
هي حالة خاصة بالمبدعين.. بعضهم غدر به شيطان شعره، فترك الشعر وأهله، كما هو الحال مع الشاعر الفرنسي آرثر رامبو (1854_1891)، ذاك الذي أسس لمرحلة جديدة في الشعر الفرنسي والعالمي.. وقد بدأ نهر عطائه وهو في السادسة عشرة من عمره، وانتهى في التاسعة عشرة.. سافر بعدها مبكراً إلى أثيوبيا، ثم إلى عدن، ليعمل في تجارة الرقيق!.. وقد عاد إلى موطنه الأم بساق مبتورة، وثروة كبيرة، وستة عبيد كانوا يحملونه على مِحفّة..
ولنتذكر الشاعر الروسي (من أصل تتري) ماياكوفسكي، الذي أقدم على الانتحار عام 1930 بسبب إحباطات عاطفية وسياسية واجهته.. وقد كتب قبيل انتحاره: «ها أنذا أموت الآن.. لا تتهموا أحداً.. ولا تثرثروا.. فالميت يكره الثرثرة»!… كما لابد من أن نتذكر انتحار أرنست همنغواي.. الذي أشك أنه كان انتحاراً، وليس قتلاً من قبل أجهزة الـ ( C.I.A)… وموت الشاعر عبد الباسط الصوفي (1960) الذي يشبه الانتحار في كوناكري عاصمة غينيا.. بعد أن وصل في المغترب إلى ذروة الإحباط… ونتذكر الشاعر المصري، ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين، الذي صمت صمت أبي الهول عقب نكسة حرب حزيران 1967..
وعودة إلى الرواية/ المأثرة، في الإبداع الروائي العربي: «موسم الهجرة إلى الشمال».. وقد صدرت عام 1966.. وتلاها، في ذروة توزيع الرواية، نكسة 1967 أيضاً، بما يعني أن ثمة (ثيمات) لم تأخذ حقها في التحليل.. ومن ضمنها أننا واجهنا العدو بالفحولة الشرقية، ونسينا تطوير أسلحتنا النارية آنذاك!!.. وهذا ما أراد قوله الطيب صالح في الجزء (السوداني) من روايته: «حيث انكفأنا إلى أمجاد المعلقات السبع، ونمنا طويلاً إلى بلاغة القول فيها»..

طباعة

عدد القراءات: 2