أمام مدخل البناء جلست تنظر إلى أحفادها، في مقلتيها دمعة حائرة، هل تنزل فرحاً لصوت الأولاد الذين يتأرجحون على مراجيح العيد أم حزناً على طقوس وتفاصيل كلما مرت في الذاكرة ألهبتها وشعلت فيها الشوق والحنين لأيام خلت، تقول الحاجة أم عوض: في قريتنا الصغيرة التي هجرنا منها قسراً كان للعيد طعم ولون، فالمراسم وتجهيز الأضاحي تبدأ قبل قدوم العيد بأيام وأسابيع، وفي وقفة العيد يجتمع الأهالي ويذهبون لزيارة من فقدوا من أحبة خلال أيام السنة كنوع من المواساة وجبر الخواطر وفي صباح العيد يجتمع الرجال من كل عائلة عند الأكبر سناً ويبدؤون جولتهم الصباحية التي تسمى «المعايدة» التي تستمر ساعات وساعات، بعد ذلك تكون «لمة» الأسرة في بيت الجد والجدة لتناول طعام الغداء، وبتنهيدة ترافقت مع غصة أضافت: العيدية والمعمول وغيرها من طقوس العيد وصوت الأولاد في ساحة العيد التي كانوا يتابعون تركيب ألعابها خطوة بخطوة هي العيد وبهجته، اليوم تغيرت الأمور، وفرضت الحرب ظروفها وخففت الكثير من تلك العادات والطقوس، حتى إن ساحة العيد صارت أرجوحة أمام البناية، ومع عبارة «الحمد لله على هالحال وكل حال، المهم أن بلدنا وأولادنا بخير، وإن شاء الله بينعاد على الجميع بالصحة والسلامة» أنهت حديثها ومضت بعيداً لتكمل مشاركة أحفادها ضحكاتهم البريئة.
العيد مناسبة دينية واجتماعية، وفي أيامنا كان فرصة للتواصل بين الناس ولرؤية الأهل والأقارب والأصدقاء من جهة، ولحل الخلافات مهما كان نوعها وشدتها من جهة ثانية، فعبارات التهنئة بقدومه كانت تفتح البيوت والقلوب بآن معاً، أما اليوم فالعيد بات رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي وللأسف نصية وجاهزة، وفرصة للسفر بعيداً عن ضغوطات الحياة والروتين اليومي، مقارنة اختصر بها مدرس اللغة العربية المتقاعد هيثم ميداني شريط ذكريات طويلاً.
الصيدلانية سهام السهوي عندما سألناها عن العيد أيام زمان، عادت بذاكرتها إلى تلك الأيام وقالت: أحلامنا كانت شراء ثياب جديدة وألعاب وركوب الأراجيح و«الدويخة» ومشاركة الأهل والأقارب السهرات الجميلة، اليوم صار العيد عند أحفادي سهرات مع الأصدقاء في المتنزهات والكافيتريات ووجبات في المطاعم، وألعاباً نارية تدب الرعب في القلوب، حتى ساحة العيد لم تعد حلماً، فالحدائق بألعابها المختلفة موجودة أمامهم طوال العام، وتابعت: التطور والتغيير سمتا العصر ونحن الكبار علينا تقبل ذلك برحابة صدر، وما نسرده من قصص وحكايا ما هو إلا ذكريات تنعش الذاكرة وتخفف من ألم الوحدة وغربة أبنائنا وبعدهم عنا.
رأي تقاسمته مع أم خالد جارتي السبعينية التي تمضي أوقاتها وحيدة في شقتها، وفي العيد وفي كل مناسبة تنتظر رنة موبايل من هنا ونغمة واتس وماسنجر من هناك أو إشارة تخبرها أن أحد أبنائها الأربعة يريدها أن تفتح الكاميرا ليعايدها وتسمع صوته وصوت أولاده وزوجته، وهنا تحتضن الشاشة وتقبلها وبصوت يمتزج فيه الحب والحزن تقول لهم: «وأنتو بألف خير.. الله يخليلي ياكن وظلني اسمع صوتكم دائماً».

طباعة

عدد القراءات: 1