من غير الجائز وضع النقد في موقع ثانوي، متطفّل على سواه من المواد الإبداعية، بل يجب الانزياح به إلى جعله شغلاً أصيلاً متعالياً على النصّ الأدبي، بما يحوزه من أدوات مسبوكة وفق المنهجية العلمية، وانطلاقه من أسس وخلفيّات فلسفية موجودة في حيّز الوجوب والافتراض، بما يعني تمكينه من بناء سلطته الخاصّة على النصّ الفني، فيؤثّر فيه إلى حدّ احتمال تغييره، وتمكينه من نهوضه بذاته، فارضاً إمكانية الاستغناء عن موادّ أوّلية، كالنصوص الأدبية، لإقامة أود نفسه، والانوجاد المكتمل في خضمّ الحياة، على طريقة انوجاد الفلسفة، والنقد وفق هذين الأمرين الآنفين يمارس افتراقه النوعي الخاص عمّا يلتبس به في سياقي الدراسة الأدبية، وتاريخ الأدب اللذين يستضيء بهما النقد، ويعتمد ما يراه مناسباً من معطياتهما المعرفية في جملة ما يعتمد من موادّ تأسيسيّة.
لدينا مأزق نقد، لا يقابله بالضرورة الآلية مأزق إبداع، وهذه المقابلة المفتقرة إلى التوازن والاشتراط المتبادل، تشبه منظاراً يعاين خللاً ما، ينتاب التوازن المفترض، وهذا صحيح من الناحية الصورية التي ترينا وفرة من الأعمال الأدبية السورية الجيدة، من غير أن تقابلها أعمال نقدية تواكب، أو توازي الجودة المدّعاة في الموادّ الإبداعية، وهذا خلل قائم، غير أنّه لا يستغرق المأزق، وربما، لا يشكّل إلا وجهاً ضئيل الشأن من وجوهه العديدة، فالخلل الذي ينتاب العدد وطرائق توزيعه، وينتاب توازياته العرضية أقلّ شأناً من الخلل الذي ينتاب الجوهر والصميم، والجوهر متمثّل أساساً بالفلسفة العميقة التي تنتج النقد، والتي يتأسس عليها، ويستضيء بها النقد، بوصفه جنساً ثقافياً مستقلاً قائماً بذاته، وبوصفه يمارس ما يشبه دور الوسيط بين الفلسفة النظرية، ومختلف النصوص الإبداعية، مع الانتباه إلى أن النصوص الإبداعية المميّزة تصدر عموماً عن أرضية فلسفية ومعرفية متينة، وهي أيضاً قادرة على أن تقيم صلاتها، وتجادلاتها المباشرة مع الفلسفة من غير عبور بالوسيط النقدي بالضرورة، إلى جانب أنّها تثرى بالفلسفة، وتثرى بها الفلسفة، على حدّ سواء.
المأزق الفلسفي الذي يعيشه الإنسان العربي مركّب من عناصر متداخلة يذهب بعضها بالفلسفة مذهب الحذف من الحياة، وهو مأزق تاريخي في شطره المتصل بتحريم الفلسفة، وعدّها بمنزلة الكفر، ومعاصر راهن في شطره السياسي الذي أفرغ الفلسفة من طبيعتها التي تجعلها فلسفة، حين أخضعها لقوانين السوق، وحوّلها إلى قوانين وإجراءات قامعة.

print