بحسب هيجل تتمثل ولادة الفن الجمالي كتعبير أساسي عن الإنسان بوصفه الوعي المفكر فهو كائن لذاته يشعر بذاته بالحدس وبالفكر وهو ليس روحاً إلا بهذه الكينونة الفاعلة لذاتها وبالتالي هو يرى عظمة الفن متمثلة في كونه روحاً يتحرر من أشكال ومحتوى اللانتهائية وفي كونه يمثل حضوراً للمطلق في الحسي وتأكيداً للحقيقة التي لا تستنفد كتاريخ طبيعي بل تنكشف في التاريخ الكلي الذي هو صورته الأجمل.

وحسب هذا المنظور يغدو الجميل لا منتهياً وحراً كما يغدو مفهوماً لا يعارض موضوعيته بل يؤكدها لأن غاية ونفس الموضوع الجميل وكذلك طابعه الخارجي وتنوعه يجب أن تظهر كمكونات جمالية خالصة وليست مكونات لشيء آخر فالموضوع الجميل لا يكون ذا حقيقة إلا بصفته وحدة محايثة وتطابقاً لمفهومه ووجوده المرئي وشرطاً لللاتناهي ما يجعل من الفن الجميل انكشافاً للروح وبذلك فهو يستبعد نسبية العلاقات المنتهية ويرتفع إلى المملكة المطلقة أي إلى ملكوت الفكرة وحقيقتها على أن أهم ما في وصف هيجل للفن هو تأكيده على خاصيته في التحرر من التناهي بفعل الانكشاف والتجلي الشمولي للروح..

إلا أن نيتشه انتقد الرؤية الهيجيلية التي تتمثل في العودة بالفن إلى فكرة المطلق وهو برأيه ما يحيل إلى ميتافيزيقا الحضور والتطابق والمثول التي قام بانتقادها هي أيضاً وبالرغم من انتقاده لهذه الأفكار قام بالتأكيد على أن الوجود وبعيداً عن المسلّمات ذو بعد حيوي حيث إن العالم برأيه هو حيّ وفق إرادة القوة كما أن الحياة وفق رؤيته هي التقويم ذاته وبهذه الانتقادات يمكن أن نلحظ هنا أن نيتشه يتمثل الفن ليس كتجلياً للفكرة المطلقة كما هو الشأن عند هيجل وإنما بوصفه محفزاً لإرادة القوة إلا أنه وبكل الأحوال مهما يكن الخلاف بين نيتشه وهيجل تبقى رؤية هيجل هي الأفضل لأنها ترفع من شأن الفن والإنسان معاً وتعطي لهما القيمة الأمثل وفق معايير موضوعية وبعيداً عن التكهنات الشخصية والرؤى الذاتية كما يفعل نيتشه.

طباعة

عدد القراءات: 5