للشيب إشاراتُه وسماتُه ،وله دلائلُه ومعانيه ، فمنهم من ينظر إليه متحسّراً على أيام الصبا والشباب دون أن يضادَّ أو يعاكسَ طبيعة الأشياء ، ومنهم من يعاندُ ويكابر فيلجأَ إلى سراب الخديعة ليخدعَ نفسه أوّلاً ممثلاً على الآخرين بخضابٍ يزوّرُ به حقيقةَ حالِه ، ومن الناس من يُسعَدُ بذلك فيسلّمَ لحقيقة الشيب الجميل وضياءِ تجاربه الزاهرة  قيادَ نفسه إلى الأمل الموعود والبرّ المنشود ..

أليس من الحكمة أن ننظرَ إلى الشيب نظرةً ملؤها البهاء ، على خُطا الأعمى ذي البصيرة ، فلننظر إلى  أبي العلاء :

الشيبُ أبهى من الشبابِ            فلا تهجِّنْهُ بالخضابِ

ولنتمعّن بهذين البيتين ، وما فيهما من إشارات ، فإلى أيِّ الأمرين عليك أن تنصاع ؟ ، لأمر الواقع وما يفتح للعاقل من آفاق ، ذلك المُحكم المرسوم بريشة المُبدِع الخلّاق ، أم لأمر الخلائق ذوات الأقوال الهارفة ، المفتونة بالمظاهر الزائفة ، يجيبك الشاعر شميم الحلي :
أقولُ لآمرةٍ بالخضابِ               تحاولُ ردَّ الشبابِ النَّضيرِ

أليسَ المشيبُ نذيرَ الإله        ومَنْ ذا يسوِّدُ وجهَ النذيرِ؟!

وهذا هو الجاحظُ مخاطباً من يرجو المستحيل ويطلب المُحال بآمال كاذبةٍ ، فيقول :

أترجو أن تكونَ ، وأنت شيخٌ           كما قد كنتَ أيام الشبابِ ؟!

لقد كذَيتْكَ نفسُكَ ، ليس ثوبٌ        خليقٌ ، كالجديدِ من الثيابٍِ

وأما أبو الأسود الدؤلي فلا يرى أنّ ثمّة خيراً يُرتجى ممن قضى شبابَهُ جميعاً عصيّاً على قبول الرشاد ، سالكاً طريق العناد ، وقد أعيا رهطه وأهل النصح له :

إذا المرءُ أعيا رهطَهُ في شبابهِ         فلا ترجُ منهُ الخيرَ عند مشيب ِ

وللشاعر النميري أبي حية توصيفٌ لطيفٌ لأحوال أخي الشيب في نظرة الكواعب الحسان إليه ، يقول :

أخو الشيبِ لايدنو إلى الحُوْرٍ بالهوى          ليقربَ ، إلّا ازدادَ في قُرُبٍ بُعدا

يعاطَيْنَهُ كأسَ السلوِّ عن الهوى                 ويمنعْنَهُ وصلاً ، يعاطَيْتَهُ المُردا

وإلى عروةَ بن الورد شاعر الصعاليك الجميل الذي شيّبتهُ مجاهلُ الوقائع ، شاعرٌ خرج متمرّداً طالباً ما يكفيه ، شاعر ضالّتُهُ لقمةُ العيش  بالقوة ، ولكنها قوةُ المنصف لا قوّةُ المحيف :

فما شابَ رأسي من سنينَ تتابعت          طوالٍ ، ولكنْ شيّبَتْهُ الوقائعُ !

وإلى الشاعر دعبل الخزاعي ، وهذا التوصيف الطريف اللطيف :

ما يصنعُ الشيخ بالعذراءِ يملكُها           كجوزةٍ بين فكَّي أدْرَدٍ خرِفِ

إنْ رامَ يكسرُها بالسنِّ تثلمُهُ             وكسرُها راحةٌ ، للهائمِ الدَّنِفِ

ولكنَّ تغيُّرَ أحوال المرء وهيئاتهِ أجدرُ بأن يدلّنا على أنَّ متبدِّلَ الأحوال يقتضي وجودَ مبدِّلٍ لا يتبدّل ولا يتغيّر ، ولله درُّ ثعلب أبي العباس :

ومن يصحبِ الأيامَ تسعين حجَّةً          يغيِرْنَهُ ، والدهرُ لا يتغيَرُ !

وهذا بهاء الدين زهير يمطرُ رجلاً سبعينياً ونفسَهُ ،بوابلٍ من أسئلةٍ خليقةٍ بالتدبُّر والتأمّل :

باللهِ قلْ لي يا فُلا              نُ ولي أقولُ ، ولي أُسائلْ

أتريدُ في السبعين ما       قد كنت في العشرين فاعلْ ؟!

هيهاتَ ! لا واللهِ ، ما          هذا الحديثُ حديثَ عاقلْ

قد كنتَ تُعذرُ بالصِّبا              واليومَ هذا العذرُ زائلْ

منَّيْتَ نفسَكَ باطلاً            فإلى متى ترضى بباطلْ ؟!

وأحبُّ أن أختم بدرر مصوغةٍ بعنايةٍ وتأنٍّ بأنامل الفنان الفيلسوف، أبي العلاء المعرّي :

وكم شيوخٍ غدوا بيضاً مفارقُهُمْ         يسبّحون ، وباتوا في الخنا سُبُحا

لو تعقلُ الأرضُ ودّتْ أنها صفرتْ          منهم ، فلم يرَ فيها ناظرٌ شبحا

أرى ابنَ آدمَ قضَّى عيشةً عجباً        إن لم يرُحْ خاسراً منها ، فما ربحا

فإنْ قدِرتَ فلا تفعلْ سوى حسنٍ        بين الأنامِ ، وجانبْ كُلَّ ما قبُحا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

print