لا يمكن التوجه إلى العقل البشري بآلية محددة دوماً، بسبب عدم وحدة هذا العقل أو استقراره على إمكانية محددة، وهنا يقصد بالعقل الذي به تعقل الأشياء، على أساس هذا القصد، تختلف الأشياء بمقدار القدرة على تعقلها، من هنا تبدو مقاربة هذا العقل عملية غير مستقرة من ناحية وتتطلب آليات مختلفة للعقول المختلفة في زمن واحد، فما بالنا بتغير الأزمنة؟.
إلا أننا في زمن نلتقي فيه جميعنا على صفحة واحدة، في زمن واحد نقرأ عقول بعضنا، أو نتشارك هذا العقل كما قيل «من قرأ للناس شاركهم عقولهم»، نجد هذا التفاوت الهائل في مقاربة هذا العقل ليس من حيث الأثر فقط، بل من حيث النشر أيضاً.
فالناشر، أولاً، لا ينشر شيئاً لا يقتنع به، وهو يصدقه أولاً، هذا إذا استثنينا فرضية النشر من أجل النقاش والحوار، ما عدا هذا الاستثناء، ينشر الناشر -ولا أقول الكاتب- ما هو مقتنع به سياسياً أو اجتماعياً أو فكرياً –ولا أقول ثقافيا-، وأغلبها يمكن أن نقول عنها «هل يعقل أن هناك من يتكلم بهذه المواضيع» –الخلافات التاريخية مثلاً-، ثم يأتيك الجواب من الأثر، هذا الكم الهائل من الردود، مع الكمية الهائلة من الحدية، مع ما يرافق ذلك من خروج عن حدود العقل، كل ذلك يجعل مسألة المقاربة أمراً خيالياً، كيف نفهم هذا العقل؟ حتى نقاربه!، وتصبح المسألة برمتها أمراً طوباوياً.
لا يتوقف الموضوع عند الأديان ومروياتها فقط كما قد يفهم البعض، مع الأخذ في الحسبان تعريف اريك فروم للدين: «نظام للفكر والعمل تشترك في اعتناقه جماعة من الناس يعطي لكل فرد في الجماعة إطاراً للتوجه وموضوعاً يكرس حياته من أجله»، مع هذا التعريف يمكن أن تصبح كل المنظومات الفكرية التي انتقلت إلى الحزبية: ديناً، والحزبية هنا تعني تشكيل جماعة من الناس، حتى اللادينية عندما صارت صفة لمجموعة صارت ديناً!!، إلا أن إشكالية هذه المنظومات تبدأ عندما تريد الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة، عندها ستضطر لمقاربة العقل البشري على تفاوته، وهي في إطار سعيها لكسبه، ستسعى للتبسيط وربما التسخيف، من هنا فقط يمكن فهم لماذا نهتم بالشكليات والقشور فقط!.

print