«عصافير الروح المتعبة»… يبدو أن أحد الشعراء كتب هذه العبارة، فعلقت في الذاكرة.. وها هي العصافير تمد رؤوسها لتزقزق على الورق.. فاتحة للكتابة، مثل فواتح الشهية.. وأظن أن هذه الفواتح للشبعانين أصلاً.. ذلك أن الجياع لا يحتاجونها!.. ويا له من متفائل، ذاك الذي كتب العبارة لأول مرّة… لم يقل: إن عصافير روحه هاجرت، أو نفقت تحت ضغوطات الهواء الخانق.. إنما هي متعبة وحسب، وهذا يعني، فيما يعنيه، أنها قد تتعافى من تعب، وتعود إلى أناشيدها الأولى.. وثمة في قلب الشاعر ما هو طفلي دائماً.. ونقي.. وفي روحه تسكن بلابل مغردة، ونقاء ياسمين، وغيوم نديّة، وقرنفل له ألوان الشفق.. يحملها في أروقة شرايينه، ويبثها حباً، ورغبة جامحة، من أجل حياة أجمل… هل تعبت روحك أيها الشاعر؟.. وجسدك أيضاً؟.. ذاك لأن مبرد الزمن لا يكلّ..
الشاعر لا يبحث عن النقاء… لأن النقاء ولد معه.. ومن دون هذا الينبوع، لا يستطيع تفجير ينابيع تطفئ عطش الناس إلى الفن.. إنما النقاء لا يستمر مجاناً.. فللأمر ضريبته، ولكل موقف ثمنه.. والضريبة والثمن عيشُه، ومن راحته ومن تضحياته، لأنه ينطلق من الحرية، ويأتي إلى الحرية.. وهنا الصعوبة في الموقف: أن تكون حراً، فتختار الأصعب.. وتختار أن تظل قامتك منتصبة، وروحك سامقة مثل نخلة أصيلة..
ما أسهل الانحناء.. وما أسهل الانحدار.. أما الصعود إلى القمة: قمة المجد في النقاء، وليس في الثروة والجاه، فهو تحدٍّ.. أن تصل وتغرس بيرق الفعل المجدي والنقي، وراية المعاناة..فهذا هو الغاية… ولا بأس.. قد تصل الراية ممزقة معفرة بالغبار، ويصل حاملها مثخناً بالجراح.. سوى أنها ستصل نقية في الجوهر، ما دام الصعود بها كان مضمخاً بالجمر..
أغاريد العصافير باقية متعبة في روح الشاعر، لكنها لا تموت.. إنها متعبة وحسب.. هذه الروح لم تمت.. فثمة كوّة لا تزال ترسل بصيص أمل لمستقبل البشر.. دالّة إلى الدرب.. ونجمة صبح ستأتي مبشرة بنهار.. ثمة بيت من القصيدة لم يكتمل، ولا بد من اكتماله.. إنما عصافير الروح متعبة وحسب.. عصافير الروح.. عصافير الأمنية.. العصافير التي لم تزقزق عبثاً..
متعبة حروف القصيدة.. ومحاور العربة تآكلت من طول المسير… فمن يريحك أيها المبدع قصائد للحياة؟.. من يعطي عصافير روحك المتعبة فرصة للنجاة,.. سوى إيمانك بأن الحياة لن تعرف السكون من بعدك…

print