العقلُ أشرفُ موهبة خصص بها الوهّابُ الكريم الذريّةَ المؤدَّبةَ من بني آدم ، فالنُّهى أسمى ما في الإنسان وهو الوحيد الذي يميّزهُ بالشرف والكرامة ، إنهُ المصباح الذي لا يضلُّ من أحسن استعمالهُ والاستهداءَ به ، ومن قاده الهدْيُ إلى ضالّةٍ كان حقاً أن يوفّقَ للاهتداء إليها ، ما انطوى عليه أو أبداه من رغبةٍ وحبٍّ واستعدادٍ مهيِّئِ جميل  ..

يرى ابنُ خاتمة الأندلسي أنَّ من أوتي عقلاً فقد أوتي خيراً وفضلاً  هما الأنفعُ و الأثمن  والأشفى…. فليكن مقتنعاً بما هو خيرٌ…

إذا حظيتَ بعقلٍ ، فاقنعَنَّ بهِ            فذاكَ فضلٌ – لعمري – غيرُ مقدورِ

شيئان قد شذَّ في الدنيا اجتماعُهما      كمالُ عقلٍ ، ورزقٌ غيرُ مقتورِ

ويرى إلياس فرحات أنَّ على الانسان العاقل ألَّا يسمحَ لحبائل الشهوة التمكّن مما يأمر به النُّهى ، وإلّا فإنَّ نظره قصيرٌ ولبَّهُ خفيف ، ويصورُ قبحَ مسيرِ من دبَّ فيه الشيبُ خلف شراك الشهوات الدنيئة، يقول:

من غلبَت شهوتُهُ عقلَهُ      بعدَ انتشارِ الشيب في لُمَّتِهْ

نظرُهُ أقصرُ من أنفِهِ            ورأسُهُ أخَفُّ من مقلتِهْ

ولننظرْ بتأمّل المتبصِّر إلى الشاعر الحكيم  أبي العلاء في هذا البيت الذي يُري  بعين العقل ما يدفع المتعقِّل إلى التأدّب بآداب التواضع  :

إنْ تسألِ العقلَ لا يوجدْك من خبرٍ        عنِ الأوائلِ ، إلّا أنهم هلكوا

ويخبرنا  في موضعِ آخر أنَّ الحقيقة تكمن فيما يراه العقل ، فما حجةُ من وُهب عقلاً ولم يهتدِ به :
أيّها الغرُّ ، إن خُصصت بعقلٍ        فاسألَنْهُ ، فكلُّ عقلٍ نبيُّ

الشاعر علي أبو النصر لا يرى في المظاهر إلّا قشوراً ، فاللبيب ينشد اللباب ، وتارك التصرف بتدبير العقل وحكمته ، هو الألومُ لنفسه على ما يقع عليها من وبال :

خليلي إن أصبتَ دعِ التصابي           فما لينُ الكلام هو الجمالُ

وما قصُّ الشعور يزيدُ حُسناً               وما هذا وذا إلَّا اختبالُ

أيرضى من لهُ عقلُ ورأيٌ                تعاطي ما عليهِ به وبالُ ؟!

وأمّا الأصمعي فلا يرى عدوّاً للمرء ذي النهى أشدَّ من الغضب ، فالعُسرُ نقيضُ اليُسر ، والحيُّ يلفظُ الميت :

ولم أرَ في الأشياءِ حين بلوتُها            عدوّاً للبِّ المرءِ أعدى من الغضبْ

ولم أرَ بين العُسرِ واليُسرِ خلطةً        ولم أرَ بين الحيِّ والميْتِ من نسبْ

وانظر إلى قوة الإيمان عند ابن هاني الحسن، وثقته بجدوى العقل وقطوفه الهانئة حتماً، يقولُ على سبيل التقرير :

وإذا وصلتَ بعاقلٍ أملاً       كانت نتيجةُ قولِهِ فِعْلا

ولكن أليست حصةُ كلِّ اِمرءٍ ونصيبه  تختلفان زيادةً ونقصاناً ، عمّا ، أُوزِع سواه ، فمن يدري ما به من جهلٍ أوعقل ، يتساءل أو يسألُ الحكيم الشاعرُ العربيُّ  أبو الطيّب أحمد بنُ الحسين :

كدعواك، كلُّ يدَّعي صحّةَ العقل والحجى      ومن ذا الذي يدري بما فيهِ من جهلِ ؟!

ويقولُ في موضعٍ آخر مشيراً إلى المكانة الرفيعة التي يبوِّءُها العقلُ للعقلاء :

لولا العقولُ لكان أدنى ضيغمٍ        أدنى إلى شرفٍ من الإنسانِ

ولكن أليس العقلُ يكونُ مجدياً أكثر إذا وافق الطبع في صاحبه  ؟

يقول المعرّي :

نهانيَ عقلي عن أمورٍ كثيرةٍ        وطبعي إليها بالغريزة جاذبي

ثمّ هل كلُّ ذي عقلٍ يكون ذا نوال وعطاء ، فماذا لو اجتمع العقلُ والكرم ، يجيب  الحكيمُ أبو الأسود الدُّؤلي :

وما كلُّ ذي لبٍّ بمؤتيك نصحَهُ                   وما كُلُّ مؤتٍ نصحَهُ بلبيب ِ

ولكن متى ما استجمعا عند صاحب ٍ         فحُقَّ لهُ من طاعة ٍ بنصيب ِ

وبتبرِ الكلام مع تبر أسياده الكرام يكونُ أحسن الختام :

إذا أكملَ الرحمنُ للمرءِ عقلَهُ           فقد كمُلَتْ أخلاقُهُ ومآرِبُهْ

 

 

 

 

 

 

 

طباعة
عدد القراءات: 5