يفاجأ الزائر قبل دخوله مدينة اللاذقية بعدة كيلومترات بالروائح الكريهة والمزعجة وسحب الدخان التي تستقبله ، ومصدرها مكب البصة الواقع مباشرة على شاطئ البحر في أجمل بقعة من بقاع الساحل السوري. هذا المكب يستقبل ما يقارب 1000 طن يومياً من مختلف أنواع النفايات والقمامة من مناطق محافظة اللاذقية، لتتحول إلى ما يشبه الجبال، وكان من المفترض إغلاقه منذ أكثر من عشر سنوات, مكب البصة بواقعه الحالي يشكل كارثة بيئية حقيقية لمحافظة اللاذقية، فتراكم القمامة بالشكل العشوائي أدى إلى انتشار الحرائق بشكل مستمر نتيجة انطلاق غازات قابلة للاشتعال تلقائياً، ما ينتج عنها سحب من الدخان تنتشر على مساحات واسعة محملة بروائح تستدعي التقيؤ أحياناً، كما بات المكب بؤرة لانتشار أنواع كثيرة وغريبة من الحشرات والقوارض أيضاً، وهذا في حد ذاته له انعكاسات سلبية كبيرة على حياة الناس المحيطين بالمكب لما يخلفه من أمراض مختلفة، وأيضاً كانت لذلك آثار مدمرة على الأراضي والمحاصيل الزراعية، حيث كانت تلك المنطقة والأراضي المحيطة خزاناً للخضر الباكورية، كما لا ننسى الآثار الكارثية التي تخلفها على المياه الجوفية إضافة للآثار المدمرة والملوثة للواقع السياحي في تلك المنطقة التي كانت تمتلك ميزات فريدة لا تملكها مناطق أخرى مثل الغابات الخضراء، وكذلك طول الشط الرملية الذي يصل إلى مئات الأمتار في العمق، وبدل استثمار هذه المساحات الواسعة في مشاريع سياحية ترفيهية تجلب للبلد أموالاً طائلة وتشغل كماً كبيراً من العاطلين عن العمل، نرى التفكير القاصر والمشوه في عملية الاستثمار في دفن القمامة بتلك الرمال التي لا تقدر بثمن لتنعم وتستمتع أكوام القمامة بمنظر البحر. اجتماعات وندوات كثيرة لجهات معنية وعلمية ومنظمات دولية وأموال طائلة صرفت على مدى عشرات السنين لوضع حل لمشكلة التلوث التي تتفاقم يوماً بعد يوم، وكانت هناك أفكار وقرارات كثيرة للمعالجة, منها إغلاق المكب الحالي والانتقال إلى مكب «قاسية» منذ عشر سنوات مع معمل لمعالجة النفايات, لكنها باءت بالفشل لأنه باختصار لا توجد جدية حقيقية في حل المشكلة. وآخرها كان الشهر الماضي فقد كان هناك اجتماع موسع مع المعنيين بشأن معالجة النفايات الصلبة في محافظة اللاذقية وتم إقرار مجموعة من الإجراءات لتنظيم العمل في مكب البصة, من بينها إنجاز مكب «قاسية» البديل خلال ستة أشهر، لكن الخوف أن يضاف هذا الاجتماع إلى ما سبقه من اجتماعات وتبقى قراراته حبراً على ورق.

طباعة

عدد القراءات: 1